_ طفلة يابانية مختطفة في كوريا منذ عام 1977:
تخيّل أن طفلة يابانية تُختطف، ثم يبدأ العالم بأسره بالبحث عنها؛ لأن اختفاءها لم يكن حادثة عادية، بل قضية وصلت إلى درجة أن يتحدث عنها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في أحد خطاباته.
في يوم 15 نوفمبر عام 1977، خرجت امرأة من منزلها في إحدى المدن اليابانية تبحث عن ابنتها التي تأخرت عن موعد عودتها إلى المنزل.
كانت الفتاة تُدعى “ميغومي يوكوتا”، وكان عمرها آنذاك 13 عامًا. كانت قد قضت وقتها مع أصدقائها في تدريب لإحدى الألعاب الرياضية.
كان من المفترض أن تعود إلى منزلها في الساعة السادسة مساءً، ولم يحدث قط أن تأخرت عن هذا الموعد من قبل، مما جعل والدتها تشعر بأن هناك أمرًا غير طبيعي. وعندما سألت أصدقاءها الذين كانوا معها، أخبروها أن ميغومي كانت معهم بالفعل، لكنها غادرت متجهة إلى منزلها.
وبعد ساعات طويلة من البحث في جميع الأماكن التي قد تكون ذهبت إليها دون جدوى، أخبرت الأم زوجها، الذي قام بدوره بإبلاغ الشرطة.
بدأت الشرطة عملية بحث واسعة عن ميغومي، وفتّشت كل مكان في المنطقة التي اختفت فيها. مرت الأيام والأسابيع، واستمرت التحريات دون أن يتم العثور على أي دليل أو خيط يقود إلى مكان الطفلة.
في تلك الفترة، بدأ والداها بالظهور في وسائل الإعلام، ونشرا إعلانات في الصحف يطلبان فيها من أي شخص لديه معلومات عن ميغومي أن يتواصل معهما، لتتحول قضيتها تدريجيًا إلى قضية رأي عام.
وبعد فترة قصيرة، وعلى بعد كيلومتر واحد فقط من المكان الذي اختفت فيه ميغومي، تلقت الشرطة بلاغًا جديدًا عن اختفاء شاب وصديقته دون أي أثر لهما. وعندما بدأت التحقيق، فوجئت بأن السيارة التي كانا يستقلانها متوقفة أمام أحد الشواطئ، وبداخلها متعلقاتهما الشخصية، بينما اختفى الاثنان تمامًا.
في ذلك الوقت لم يربط أحد بين حادثتي الاختفاء، وربما بدا الأمر مجرد مصادفة، لكن ما لم يكن طبيعيًا هو أن السنوات التالية شهدت اختفاء مراهقين وشباب من مناطق مختلفة في اليابان.
كان الناس يختفون دون ترك أي أثر، حتى وصل عدد المختفين إلى 17 شابًا وفتاة. وفي الوقت نفسه، تلقت الشرطة بلاغات من أشخاص أكدوا أن مجهولين حاولوا اختطافهم، لكنهم تمكنوا من الفرار.
أصبح الأمر لغزًا محيرًا؛ فالمختطفون ينتمون إلى مدن مختلفة ولا توجد بينهم أي علاقة، كما لم يكن لدى الشرطة أي دليل يقود إلى الجناة، وكأن من يقف وراء هذه العمليات أشخاص يمتلكون مستوى عاليًا جدًا من التدريب.
ظل اللغز بلا حل حتى عام 1987، عندما وقع حادث غامض لطائرة كورية جنوبية كانت متجهة من بغداد إلى سيؤول. أقلعت الطائرة بشكل طبيعي، لكن فجأة انقطع الاتصال بينها وبين برج المراقبة، وبعد أيام عُثر عليها مدمرة قرب سواحل تايلاند، ولم يكن هناك أي أثر للركاب الذين بلغ عددهم 115 شخصًا.
بدأت السلطات الكورية الجنوبية التحقيق، واكتشفت أن رجلًا وامرأة نزلا من الطائرة أثناء توقفها في مطار بانكوك. وعندما علما أن الشرطة تلاحقهما، حاولا الانتحار باستخدام السم.
توفي الرجل، أما المرأة فقد تم إنقاذها ونقلها إلى المستشفى، وهناك اعترفت خلال التحقيق بأنها والشخص الذي كان معها زرعا قنبلة داخل الطائرة انفجرت بعد عدة ساعات من الإقلاع.
وهنا يبرز السؤال: ما علاقة هذا بحالات الاختفاء في اليابان؟
أجابت المرأة بأنها تعمل جاسوسة لصالح كوريا الشمالية، وأن بعض اليابانيين الذين تم اختطافهم كانوا يُجبرون على تعليم الجواسيس اللغة والثقافة اليابانية، من أجل إعدادهم للقيام بعمليات سرية. وذكرت اسم امرأة كانت تعلمها شخصيًا، وكانت من ضمن المختفين السبعة عشر، مؤكدة أن المختطفين لا يزالون أحياء داخل كوريا الشمالية.
ومن هنا بدأ الغموض يتكشف أمام السلطات اليابانية: كوريا الشمالية كانت تختطف مواطنين يابانيين لاستخدامهم في تدريب عملائها.
لكن عندما واجهت اليابان كوريا الشمالية بهذه الاتهامات، أنكرت الأخيرة أي علاقة لها بالأمر، واستمر الوضع على هذا الحال حتى عام 1997، عندما وصلت معلومات من شخص مجهول إلى عائلة ميغومي تفيد بأن ابنتهم لا تزال على قيد الحياة.
في البداية اعتقدت العائلة أن الأمر مجرد خدعة مؤلمة، لكن الشخص قدم معلومات دقيقة أقنعتهم بأنه يعرف الحقيقة. بل أخبرهم أن ابنتهم، التي أصبحت في الرابعة والثلاثين من عمرها، متزوجة ولديها أطفال، لكنها تخضع لمراقبة شديدة ولا تستطيع التواصل معهم، لأن ذلك قد يعرّضها وعائلتها للخطر.
ومنذ ذلك الوقت، بدأ والدا ميغومي حملة واسعة عبر وسائل الإعلام للمطالبة بإعادتها، وتحولت القضية إلى قضية وطنية في اليابان، حيث خرج المواطنون في مظاهرات حاملين صورها مطالبين حكومتهم بالتحرك.
وبعد خمس سنوات من الضغط الشعبي، وفي عام 2002، عقد لقاء تاريخي بين رئيس وزراء اليابان وزعيم كوريا الشمالية كيم جونغ إيل، وكانت المفاجأة أن كوريا الشمالية اعترفت رسميًا بأنها قامت باختطاف مواطنين يابانيين.
وعندما سُئل الزعيم الكوري عن ميغومي، قال إنها اختُطفت بالخطأ، لأن العملاء كانوا يستهدفون أشخاصًا بالغين، وليس فتاة في الثالثة عشرة من عمرها.
وادعت كوريا الشمالية أن خمسة فقط من المختطفين السبعة عشر لا يزالون على قيد الحياة، أما ميغومي فقالت إنها توفيت منتحرة عام 1994 بسبب الاكتئاب.
لكن عائلتها لم تصدق هذه الرواية، خاصة أن المعلومات التي وصلت إليهم سابقًا كانت تؤكد أنها كانت حية ومتزوجة. وزاد الشك بعدما قدمت كوريا الشمالية روايات متناقضة حول تاريخ وفاتها.
كما أرسلت رمادًا قالت إنه يعود لجثتها بعد حرقها، لكن فحوص الحمض النووي أظهرت أن هذا الرماد لا يعود إلى ميغومي، مما زاد من غضب عائلتها وإصرارها على أنها لا تزال حية.
على مدار أربعين عامًا، واصل والدا ميغومي البحث عنها، وسافرا إلى العديد من الدول طالبين المساعدة.
وفي عام 2014، تم ترتيب لقاء تاريخي في منغوليا، حيث سافر الأب والأم وهناك كانت المفاجأة؛ فقد التقيا بحفيدتهما، ابنة ميغومي، التي كان عمرها آنذاك 26 عامًا.
قالت والدتها، وهي والدة ميغومي، إنها عندما رأت حفيدتها شعرت وكأنها ترى جزءًا من ابنتها.
ولم تتحدث الحفيدة عن مصير والدتها خلال اللقاء، لأن الاجتماع كان رسميًا وتحت رقابة أجهزة الاستخبارات، وكانت العائلة تدرك أن أي كلمة قد تعرضها أو تعرض والدتها للخطر.
وبسبب الصدى العالمي الكبير للقضية، ذكر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قصة ميغومي في خطاب رسمي عام 2017، وأعرب عن تعاطفه معها ومع عائلتها، كما أدان السلطات الكورية الشمالية لاستغلالها في تدريب عملائها.
وفي عام 2020، توفي والد ميغومي بعد أن قضى حياته كلها يبحث عنها، بينما لم تفقد والدتها الأمل حتى اليوم، ولا تزال تطالب بمعرفة مصير ابنتها، التي يُفترض أن يكون عمرها الآن نحو ستين عامًا.
وكانت والدة ميغومي توجه إليها دائمًا رسائل مؤثرة خلال المؤتمرات الصحفية التي كانت تُعقد في طوكيو، ومن أكثر تلك الرسائل تأثيرًا رسالتها التي وجهتها إليها في عيد ميلادها الأربعين.
الرسالة:
“ميغومي، عزيزتي..
اليوم هو يوم ميلادك الأربعون.
لقد مضى سبعة وعشرون عاماً على ذلك اليوم المشؤوم الذي اختفيتِ فيه من طريقي، وكأنك تبخرتِ في الهواء.
في كل ليلة، أنظر إلى القمر وأتساءل: هل تنظرين إليه أيضاً من مكانك؟ هل ما زلتِ تتذكرين منزلنا في نييغاتا، وتذكرين طعم الطعام الذي كنتِ تحبينه؟
لقد كبرتُ أنا ووالدك، وأصبح شعرنا أبيض، ليس بسبب تقدم العمر فحسب، بل بسبب حزنٍ لم يغادر قلوبنا للحظة واحدة. كلما رأيت فتاة في عمرك، قلبُ أمّي ينقبض، وأكاد أسمع صوتك تنادينني.
يقولون لي إنكِ رحلتِ عن هذا العالم، لكن قلبي يرفض تصديقهم. أنا أشعر بكِ، أعلم أنكِ حية في مكان ما، تنتظرين أن نأتي لنأخذكِ. أعتذر لكِ يا ابنتي، أعتذر لأنني لم أكن قوية بما يكفي لأحميكِ في ذلك اليوم، وأعتذر لأننا استغرقنا كل هذه السنوات لنصل إليكِ.
لا تفقدي الأمل يا ميغومي، طالما أنني أتنفس، وطالما أن قلبي ينبض، لن أتوقف عن البحث عنك، سأنتظر عودتكِ للبيت.. غرفتكِ لا تزال كما هي، وكل شيء بانتظارك.”