_ أجريَ لها ثلاثين عملية جراحية بدون تخدير و لم تكن تملك حق الرفض:
اسمها أنارشا… امرأة لم تكن تملك حتى حق الرفض.
لم يكن جسدها ملكًا لها، ولا قرارها بيدها. كانت امرأة مستعبدة، ولذلك لم يسألها أحد يومًا إن كانت توافق على ما سيحدث لها.
في عمر يتراوح بين 17 و19 عامًا، حملت أنارشا، ثم دخلت في ولادة مأساوية استمرت ثلاثة أيام كاملة. خرج الطفل ميتًا، لكن الكارثة الحقيقية كانت ما أصابها بعد ذلك.
أصيبت بناسور ولادي، وهو تمزق بين المثانة والمهبل جعلها تفقد السيطرة على البول بشكل دائم، وأحيانًا على البراز أيضًا. عاشت في ألم لا ينتهي، ورائحة مستمرة جعلتها منبوذة ومعزولة، بينما كان الجميع يعتبر معاناتها مجرد “قدر” لا يستحق العلاج.
في تلك الفترة ظهر الطبيب جيمس ماريون سيمز، الذي سيُعرف لاحقًا بلقب “أبو طب النساء الحديث”. كان يبحث عن طريقة لعلاج الناسور الولادي، لكنه اختار طريقًا مختلفًا تمامًا…
بدلًا من إجراء تجاربه على الحيوانات أو متطوعين، استخدم نساءً مستعبدات كحقول لتجاربه الطبية. وكانت أنارشا أكبر ضحاياه، إلى جانب لوسي وبيتسي.
خضعت أنارشا لأكثر من 30 عملية جراحية، بينما تذكر بعض المصادر أن العدد وصل إلى 33 أو 34 أو حتى 37 عملية.
كل ذلك… دون أي تخدير.
كان سيمز يعتقد، مثل كثيرين في ذلك الزمن، أن النساء السود لا يشعرن بالألم بنفس الدرجة التي يشعر بها البيض. اعتقاد عنصري تحوّل إلى مبرر طبي.
كانت تُقيَّد بالقوة، ويُجرى شق جسدها وخياطته مرة بعد أخرى، بينما يقف الأطباء والمتدربون يراقبون ويتعلمون. لم توقّع على موافقة، ولم يُمنح لها حق الرفض، ولم تُعامل يومًا كإنسانة لها كرامة.
ورغم أن التخدير بدأ استخدامه طبيًا عام 1846، قبل انتهاء تجارب سيمز بسنوات، فإنه لم يستخدمه مع النساء المستعبدات، مبررًا ذلك بأنه غير ضروري أو غير عملي. لكن بعد أن نجح في تطوير الجراحة بفضل أجسادهن، أصبح يجري العملية نفسها للنساء البيض… بالتخدير الكامل.
وبعد سنوات من الألم والتجارب، نجح سيمز أخيرًا في إغلاق الناسور لدى أنارشا.
وهكذا أصبحت، دون أن تختار، المرأة التي دفع جسدها ثمن تطوير واحدة من أهم جراحات النساء في التاريخ.
أما هي، فلم تنل شهرة ولا تقديرًا.
أُعيدت إلى مزرعة مالكها، ثم اختفت من صفحات التاريخ. لا أحد يعرف كيف عاشت بقية حياتها، ولا متى ماتت، لأن حياة النساء المستعبدات نادرًا ما كانت تُوثق.
في المقابل، أصبح سيمز أحد أشهر أطباء أمريكا، وأسس أول مستشفى متخصص في طب النساء في نيويورك، وأقيمت له التماثيل لعقود باعتباره رائدًا في مجاله.
لكن مع مرور الزمن، بدأ التاريخ يُراجع نفسه. وفي عام 2018 أُزيل تمثاله من نيويورك بعد حملات واسعة طالبت بالاعتراف بأن إنجازاته العلمية بُنيت أيضًا على معاناة نساء لم يمتلكن حق الاختيار.
قصة أنارشا لا تُروى لإنكار التقدم الطبي، بل لتذكيرنا بأن العلم لا يُقاس بنتائجه وحدها، بل بالطريقة التي وصل بها إليها.
فخلف كل إنجاز قد توجد حكاية إنسان دفع الثمن… ولم يذكره أحد.
أنارشا لم يكتب اسمها في كتب الطب، لكن جسدها كتب فصلًا كاملًا من تاريخه.