_ قصة ليلي الأسود ( قصة وعبرة ):
تزوج رجل من بادية العرب ابنة عمه، ففتحت له الدنيا ذراعيها، وأنجبت له تسعة من الأولاد الذكور. كان يرى فيهم هيبته، وعزوته، وسنده في مواجهة الأيام.
وفي الحمل العاشر، كان يترقب بفارغ الصبر ولداً عاشراً يشد به عضده، لكن القابلة خرجت تبشره بمولودة أنثى.
وقع الخبر عليه كالصاعقة. شعر بإهانة لم يكن لها وجود إلا في مخيلته، وصرخ بأعلى صوته في جوف الليل: «يا ليلي الأسود! يا ليلي الأسود!».
ومنذ تلك الليلة، هجر زوجته وجفاها، ونظر إلى الطفلة البريئة بنظرة تشاؤم وجحود، متناسياً أن العطاء والمنع بيد الله وحده.
مرت السنوات مسرعة، ودارت عجلة الزمن دورتها المعتادة. كبر الأب، وخط الشيب رأسه، ووهن العظم منه، وفي ليلة وضحاها فقد بصره وأصيب بالعمى.
وفي هذه الأثناء، كبر الأبناء التسعة، وتزوجوا، وانشغل كل منهم بحياته وزوجته وتجارته. ومع الوقت، تناسوا أباهم الضرير، وتركوه وحيداً يصارع العتمة والنسيان في خيمته، دون سائل أو مجيب.
كما تزوجت تلك الابنة أيضاً، وانتقلت إلى بيت زوجها. لكنها، وعلى عكس إخوتها، ما إن سمعت بما حل بأبيها من مرض وعمى وجفاء، حتى انتفض قلبها رحمة وشوقاً.
لم تتذكر جفاءه القديم، بل تذكرت فقط أنه أبوها.
سارعت الابنة إلى خيمة أبيها المهجورة. دخلت بهدوء، وبدأت تنظف المكان، وتغسل جسد أبيها المتعب، وتطهو له من الطعام أطيبه.
شعر الشيخ الكبير براحة غريبة لم يشعر بها منذ سنوات، وأحس بأنفاس دافئة تحيط به بالكرامة والمحبة.
وعندما اقتربت منه بحنو لتسكب في فمه الدواء وتطعمه بيدها، أمسك الشيخ بيديها الرقيقتين، وسألها بصوت متهدج وعينين مطفأتين:
«من أنتِ يا بنت الكرام؟»
انهمرت الدموع من عينيها، واختلطت غصة صوتها بابتسامة برّ مخلصة، وقالت:
«أنا ليلك الأسود يا أبي!»
صعقته الكلمة، واهتزت لها أركانه. انهار الشيخ باكياً، وضمها إلى صدره، وهو يعتصر ندماً وأسفاً على ما فرط في حقها، وصاح والدموع تغسل لحيته:
«سامحيني يا بنيتي… ليت الليالي كلها سود!»
وفي تلك اللحظة المؤثرة، تفتقت قريحته عن أبيات شعرية تفيض بالمرارة والاعتراف بالفضل، فقال:
ليت الليالي كلها سود .. دام الهنا بسود الليالي
لو الزمان بعمري يعود .. لأحبها أول وتالي
ما غيرها يبرني ويعود .. ينشد عن سواتي وحالي
تسعة رجالٍ كلهم جحود .. تباعدوا عن سؤالي
ما غير ريح المسك والعود .. ابنتي بكل يومٍ قبالي