_ قضية العامل التايلاندي الذي تسبب في مقتل ثمانية عشر سعوديا من بينهم دبلوماسيون:
_ لم تكن تلك مجرد سرقة عابرة في سجل الجرائم، بل قصة بدأت بخطأ صغير ثم تحولت إلى واحدة من أكثر القضايا غموضاً وإثارة في التاريخ الحديث، قضية عرفت لاحقاً باسم “قضية الماسة الزّرقاء”، والتي انتهت بسلسلة من الدّماء والأسرار التي لم تُكشف حتى يومنا هذا.
في يونيو من عام 1989، كان كرنكراي تيشمونغ مجرد عامل تايلندي بسيط يعمل بواباً في قصر أحد الأمراء في المملكة العربية السعودية.
كان رجلا بسيطاً هادئاً، لكنّه كسب ثقة الجميع من الحرّاس إلى أصحاب القصر أنفسهم، وكانت تلك الثّقة هي المفتاح الأول.
كان الأمير وعائلته خارج البلاد في إجازة طويلة، تاركين القصر تحت إدارة العمال والحرّاس.
و في أحد الأيام، وقف كرنكراي يراقب زميلاً فلبينياً يتعامل مع جهاز الإنذار الأوتوماتيكي، لم يكن يفهم اللغة الإنجليزية، لكنه لم يكن بحاجة إلى فهم الكلمات، فقد فهم الأرقام وحفظ الشفرة كما تحفظ الأسرار.
في اللّيلة التالية، عاد إلى القصر ثم عطّل جهاز الإنذار بسهولة، وتوجه إلى إحدى الغرف التي يعرفها جيداً حيث توجد الخزنة الحديدية، فتحها دون أدنى ارتباك وسرق خمسة خواتم مرصّعة بالألماس، كانت تلك البداية فقط.
عاد إلى مسكنه، لكن النوم هرب منه، لم يكن الخوف ما منعه بل شعور بأنه لم يأخذ ما يكفي،وفي تلك اللحظة، تحول الفضول إلى جشع.
في اليوم التالي عاد مجدداً، ثم في اليوم الذي يليه، واستمر على هذا النحو، لم تكن السرقة ضربة واحدة بل عملية بطيئة ومدروسة امتدت لشهرين كاملين، مستغلاً غياب أصحاب القصر عن الرياض.
ومع نهاية أغسطس، كان قد أفرغ الخزنة بالكامل، مجوهرات تزن نحو 90 كيلوغراماً، تقدّر قيمتها بحوالي 20 مليون دولار، نقلها بهدوء إلى مستودع داخل القصر ثم شحنها إلى تايلاند عبر شركة شحن جوي على هيئة طرود عادية من داخل القصر نفسه، مستغلاً كونه موظفاً موثوقاً، دون أن يثير أية شبهات حوله.
احتفظ لنفسه بحوالي عشرين كيلوغراماً من المجوهرات وحملها معه على متن الطائرة إلى بانكوك، وعندما أوقفه موظف الجمارك، لم يحتاج إلى خطة معقدة، فقط رشوة بسيطة بلغت سبعة آلاف بات أي ما يعادل 280 دولاراً، كانت كفيلة بفتح الطريق أمامه.
عاد إلى قريته في شمال تايلاند، وهناك بدأ يتصرّف كما لو أنّ ما لديه ليس كنزاً نادراً بل أشياء عادية، دفن جزءاً كبيراً في حديقة منزله، وعرض جزءاً آخر على جيرانه وباع بعض القطع بمبلغ 120 ألف دولار فقط، وهو مبلغ ضئيل مقارنة بالقيمة الحقيقية لما سرقه.
في نوفمبر 1989، عاد أصحاب القصر من إجازتهم واكتشفوا الكارثة، الخزنة فارغة والمجوهرات اختفت.
الشكوك توجهت سريعاً إلى العامل التايلندي، وبدأت الاتصالات مع السلطات في تايلاند.
لم يطل الأمر، تم اعتقال كرنكراي واعترف فوراً بكل شيء، وسلّم ما تبقى لديه وكشف أسماء أشخاص اشتروا بعض المجوهرات ،لكن المفاجأة كانت أن من بين هؤلاء رجال شرطة، وعلى رأسهم (المقدم كالور كيرديت) الذي كان مسؤولاً عن القضية.
هنا تغيّر مسار القصة بالكامل، سافر فريق من الشرطة التايلندية إلى السعودية لإعادة المجوهرات، وعندما تم فحص ما أُعيد، كانت الصدمة: ن
فنحو نصف المجوهرات كانت مزيفة، والبقية ناقصة، أما الماسة الزرقاء النادرة فقد اختفت تماماً.
فتحت السّلطات السعودية تحقيقاً معقداً في بانكوك، وأسندت المهمة إلى فريق من الدبلوماسيين ضم عبد الله البصري وعبد الله المالكي وفهد الباهلي وأحمد السيف، لكنّهم لم يواجهوا مجرد قضية سرقة، بل شبكة معقدة من الفساد تتداخل فيها الجريمة المنظّمة مع أجهزة أمنية وشخصيات نافذة.
كانت المعلومات مضللِّة والتعاون شبه معدوم، بل إنَّ بعض المصادر أشارت إلى أنَّ عناصر داخل الشرطة التايلندية كانت تعمل ضد التحقيق إما بإخفاء الأدلة أو بالتّخلّص من الشّهود، ومع تقدم التحقيقات، بدأ الفريق يقترب من أسماء خطيرة مرتبطة بقوى سياسية وحتى بالقصر الملكي التايلندي، وهو ما جعل القضية تدخل مرحلة أكثر خطورة.
ثم جاءت الرسالة دموية، تم اغتيال الدبلوماسي عبد الله المالكي بإطلاق الرصاص عليه أثناء عودته إلى منزله في بانكوك، وبعده بفترة قصيرة تعرّض فهد الباهلي وأحمد السيف لهجوم مباشر، حيث أطلق مسلّح النار عليهما بدقة قاتلة، ليسقطا ضحيتين في لحظات.
ولم يتوقّف الأمر عند هذا الحد، فبعد أسبوعين فقط اختفى رجل الأعمال السعودي محمد الرويلي الذي كان قد سافر إلى بانكوك للمساعدة في التّحقيق.
تشير التقارير إلى أن عملية اختطافه نفذَّها ضبّاط شرطة، ولم يُعثر عليه حتى اليوم.
تشير الروايات إلى أنه كان يمتلك معلومات خطيرة، وربما كان على وشك كشف الحقيقة، لكن تلك الحقيقة دُفنت معه.
بلغ عدد الضحايا المرتبطين بالقضية نحو 18 شخصاً، بينهم دبلوماسيون وعاملوا استخبارات سعوديون، في سلسلة من الاغتيالات والاختفاءات التي بقيت دون حل.
ومع غياب الأدلة الحاسمة أُغلقت القضية رسمياً، لكن الغموض ظلَّ قائماً.
كانت النّتيجة كارثية على المستوى السياسي، قطعت المملكة العربية السعودية علاقاتها مع تايلاند، وتوقفت التأشيرات، واستمر هذا الجمود لأكثر من ثلاثين عاماً.
أما (كرنكراي تيشمونغ) فقد حُكم عليه بالسّجن خمس سنوات، لكنّه قضى منها سنتين وسبعة أشهر فقط بعد حصوله على عفو ملكي. خرج من السجن لكنّه لم يخرج من ظل قصته.
في مقابلات لاحقة، قال إنّه يعيش في خوف دائم، وأنّ ما حدث لا يزال يطارده مثل كابوس، مؤكداً أنه سلّم كل ما لديه ويتهم الشرطة بابتلاع 80% من المجوهرات، وعندما يُسأل عن الماسة الزرقاء يلتزم الصّمت.
اليوم يعيش في كوخ خشبي، يعمل مزارعاً في حقول الأرز، رجل بسيط يحمل على كتفيه قصة معقدة، قصة بدأت بخمسة خواتم وانتهت بسلسلة من الدّماء والأسرار.
ويبقى السؤال معلقاً بلا إجابة: أين اختفت الماسة الزرقاء ومن يملك الحقيقة التي لم تُكشف بعد؟