_ الجاسوسة أمينة المفتي:
الفتاة التي قررت خيـانة العرب جميعًا، وسُجِّلت قصتها كواحدة من أخطر الجواسيس في تاريخ العرب.
في النمسا عام 1972، كانت فتاة تمسك صحيفة وتقرأ الأخبار، وفجأة وقع نظرها على إعلان نشره الجيش الإسرائيلي.
كان الإعلان يطلب طيارين للعمل في سلاح الجو الإسرائيلي من اليهود في جميع أنحاء العالم، مقابل رواتب ضخمة جدًا.
أسرعت الفتاة إلى زوجها، الذي كان يعمل طيارًا مدنيًا، وعرضت عليه الأمر، ومن هنا تبدأ قصة واحدة من أشهر الجواسيس العرب.
بدأت الحكاية في الأردن عام 1939، حين وُلدت طفلة تُدعى أمينة المفتي. كانت عائلتها من أصول شركسية، وكان والدها تاجر مجوهرات كبيرًا، بينما كانت والدتها امرأة مثقفة تتحدث أربع لغات.
وفوق ذلك، كان لها عم يعمل لواءً في البلاط الملكي الأردني. عاشت أمينة حياة مترفة، وكل ما تحلم به كان متوفرًا لها.
لكن كانت لديها مشكلة، وهي كرهها للعادات والتقاليد الشرقية العربية. كانت تميل إلى الحرية وإلى العادات الغربية، وكانت تعبّر دائمًا عمّا بداخلها لمن حولها.
في المرحلة الثانوية ارتبطت بشاب فلسطيني مقيم في الأردن يُدعى بسام. كانت أمينة تحبه بشدة، لكنه لم يكن يبادلها المشاعر نفسها.
حتى فوجئت يومًا برسالة منه يخبرها فيها بأنه لا يريد رؤيتها مجددًا، وأنه ارتبط بفتاة أخرى، بسبب أفكارها عن الحرية وكرهها للعادات والتقاليد الشرقية، وأنه غير مستعد للارتباط بفتاة تحمل هذا التفكير.
شكّل الأمر صدمة نفسية كبيرة لأمينة، إذ شعرت بأن بسام وجد فتاة أفضل منها، وأخبرها بذلك بصراحة، مما سبب لها ألمًا نفسيًا شديدًا.
وبسبب ما حدث، تولّد داخلها كره كبير للعرب عمومًا، ولفلسطين خصوصًا، وقررت السفر إلى فيينا في النمسا لإكمال تعليمها هناك.
في فيينا التحقت بالجامعة ودرست تخصص علم النفس الطبي، وبعد انتهاء سنوات الدراسة عادت إلى الأردن، لتتفاجأ بخبر زواج بسام.
ولأنها كانت لا تزال تحبه، لم تتحمل الصدمة، وقررت العودة مجددًا إلى فيينا لإكمال رسالة الدكتوراه، لأنها لم تعد تطيق العيش في بلدها، وقد وافق أهلها على طلبها.
عندما سافرت أمينة إلى النمسا لأول مرة، تعرّفت على فتاة من جنوب أفريقيا كانت تدرس معها. حذرتها تلك الفتاة من الدخول في علاقة مع أي شاب في الجامعة.
ورغم تحذيرها من العلاقات مع الشباب، فإنها شجعتها على الدخول في علاقات مع الفتيات، وظلت تؤثر عليها حتى أوقعتها في الحرام، لدرجة أن أمينة أصبحت مدمنة وغير قادرة على التوقف.
وعندما عادت أمينة لإكمال الدكتوراه، تعرّفت على فتاة يهودية تُدعى سارة براد، وكانتا تعيشان في سكن واحد. تطورت العلاقة بينهما حتى أصبحتا صديقتين مقربتين، وفي يوم من الأيام قررت سارة أن تأخذها إلى منزل عائلتها.
هناك عرّفتها على أخيها «موشيه»، ويبدو أن أمينة أحبته من النظرة الأولى، وكان يبادلها الإعجاب نفسه، وارتبطا بالفعل، وساعدها في الحصول على شهادة دكتوراه مزورة في الطب النفسي.
عادت أمينة إلى الأردن بالشهادة، وكان أهلها في غاية الفخر بها، ثم أخبروها أن ما ينقصها الآن هو الزواج، وأعلموها أن ابن عمها تقدم لخطبتها.
تظاهرت أمينة بالموافقة، لكنها أرادت أولًا أن تحقق حلمها بفتح عيادة خاصة بها. وعندما بدأت بإجراءات الترخيص، شكّ المسؤولون في شهادة الدكتوراه، وطلبوا منها تصديقًا وبعض الوثائق من الجامعة التي منحتها الشهادة.
كانت تلك صدمة جديدة لأمينة، فأخبرت أهلها بأنها مضطرة للسفر مرة أخرى لإنهاء بعض الأوراق. وافق أهلها، لكنها لم تكن تنوي العودة أصلًا.
رجعت إلى فيينا وبحثت عن موشيه، الذي كان ينتظرها، وما إن التقيا حتى عرض عليها الزواج بشرط أن تعتنق اليهودية وتغيّر دينها.
ومن دون تردد غيّرت أمينة ديانتها، وغيّرت اسمها إلى «آنا موشيه براد»، وتزوجت موشيه، وعاشا حياة طبيعية، حتى جاء يوم كانت تقرأ فيه الصحف، فرأت إعلانًا.
كان الإعلان صادرًا عن الجيش الإسرائيلي، يطلب طيارين يهودًا من جميع أنحاء العالم برواتب كبيرة، فأسرعت إلى زوجها وعرضت عليه الأمر.
لكن موشيه رفض الفكرة، قائلًا إن إسرائيل في حرب مع العرب، ولا داعي للذهاب إلى هناك. لكنها ظلت تضغط عليه يوميًا وتقنعه بأنهما يهود، وأن تلك هي وطنهما الذي يجب أن يعيشا فيه.
وبالفعل، في عام 1972، سافر موشيه وأمينة إلى إسرائيل، وهناك استُقبلا استقبالًا كبيرًا، الأمر الذي أثار دهشة موشيه.
لكن الحقيقة أن الموساد كان قد أجرى تحريات عنهما مسبقًا، وعرف أن أمينة تنتمي إلى واحدة من أكبر العائلات الأردنية، وأن عمها يعمل في البلاط الملكي الأردني، وأنها تركت كل ذلك خلفها وتزوجت طيارًا يهوديًا وأقنعته بالانضمام إلى الجيش، لذلك كان الاحتفال مُقامًا خصيصًا لها.
التحق موشيه بالجيش، حتى جاء يوم من عام 1973 خرج فيه بطائرته في أول مهمة لتصوير المواقع السورية، لكنها كانت الأخيرة، إذ أسقطت المدفعية السورية الطائرة.
عندما وصل الخبر إلى أمينة، انهارت تمامًا حتى فقدت النطق لمدة شهر ونصف من شدة الصدمة، وكانت أول جملة قالتها بعد أن استعادت الكلام: «موشيه ما زال حيًا».
وأول ما فعلته بعد ذلك أنها طلبت من السلطات الإسرائيلية السماح لها بالسفر إلى سوريا أو بيروت لجمع معلومات عن موشيه، لتتأكد إن كان قد مات فعلًا أم وقع أسيرًا، خصوصًا أنهم لم يعثروا على جثته.
كانت أمينة بالنسبة للموساد كنزًا ثمينًا؛ امرأة عربية تستطيع التحرك بحرية دون إثارة الشكوك، وتكنّ كراهية للعرب وولاءً لإسرائيل، لذلك لم يوافقوا فقط على طلبها، بل عرضوا عليها التعاون معهم.
بعد أيام، زارها ضابط من الموساد في منزلها وطلب منها العمل معهم، فوافقت دون تردد رغبةً في الانتقام لزوجها، ومنذ تلك اللحظة بدأ تدريبها على أساليب الهروب من المراقبة، والتخفي، وجمع المعلومات، وفنون التجسس كافة.
وبعد أن أصبحت جاهزة، كلّفها الموساد بمهمة نقل معلومات عن قادة المقاومة الفلسطينية وطرق دخولهم إلى الأراضي المحتلة، لأن المقاومة آنذاك كانت تسبب لهم إزعاجًا كبيرًا.
سافرت أمينة إلى بيروت واشترت شقة كبيرة، وكانت خطتها الأولى التعرف على فني الهواتف المسؤول عن منطقتها، لكنها لم تكن بحاجة إليه لإصلاح هاتف، بل كانت تريد استدراجه والدخول معه في علاقة للحصول منه على أرقام هواتف المنظمات الفلسطينية.
ولم يكتفِ الرجل بامتلاك المعلومات، بل كان يتباهى أمامها بقدرته على إطلاعها على مكالمات القيادات الفلسطينية.
واستمرت العلاقة بينهما، وكان يتردد عليها يوميًا، حتى دخل يومًا إلى الشقة فرأى نجمة داوود معلقة على الحائط، وعندما سألها عنها، أخبرته مباشرة بأنها جاسوسة إسرائيلية.
ثم أخبرته أن كل ما جرى بينهما، وكل كلمة قالها، مسجلة صوتًا وصورة، وإذا رفض التعاون معها فسيتم تسليم التسجيلات، وكانت عقوبة الخيانة لدى المقاومة آنذاك الإعدام.
وافق الرجل على التعاون معها، وبدأ يطلعها على المكالمات التي تدور بين قادة المقاومة، وكانت بدورها تنقل كل شيء إلى الموساد، الذي استطاع إحباط عمليات عديدة قبل تنفيذها.
لكن وسط كل ذلك، كان هناك شخص يراقب الوضع جيدًا، وهو علي حسن سلامة، رئيس المخابرات الفلسطينية آنذاك.
لم يكن علي حسن سلامة شخصًا عاديًا، فقد أطلقت عليه جولدا مائير لقب «الأمير الأحمر»، بسبب ذكائه الشديد، إذ تسبب في القبض على أكثر من عشرين جاسوسًا جندهم الموساد، وكان مصدر رعب لهم.
في تلك الفترة قدمت أمينة شهادة الدكتوراه المزورة، وتطوعت للعمل ضمن الفريق الطبي لمعالجة جرحى المقاومة، وتمت الموافقة على طلبها.
بل إن نفوذها وصل إلى مقابلة الرئيس ياسر عرفات شخصيًا لتطلب منه تسهيلات تساعدها على أداء عملها، فحصلت منه على تصريح أمني يتيح لها التحرك بحرية.
في ذلك الوقت، كان علي حسن سلامة يعلم أن هناك جاسوسًا مزروعًا بينهم، ولذلك طلب إيقاف العمليات مؤقتًا، وبدأ تحرياته حتى وصلته رسالة من ضابط مخابرات فلسطيني في النمسا تفيد بأن الموساد زرع طبيبة درست في النمسا وسط المقاومة.
بدأ سلامة بمراجعة قائمة الأطباء المتطوعين، وكان عددهم 37 طبيبًا، من بينهم أربعة درسوا في النمسا، وكانت أمينة واحدة منهم، فتم وضعهم جميعًا تحت المراقبة.
الغريب أن أمينة اكتشفت المراقبة، وكان المفترض ألا تتصرف بشكل يثير الشبهات، لكنها فعلت العكس تمامًا.
فما إن علمت بأنها مراقبة حتى جمعت ملابسها وحاولت الهرب عبر الحدود البرية نحو سوريا، وهو ما جعلها أول المشتبه بهم، وبالفعل تم القبض عليها قبل هروبها.
بدأ التحقيق معها، لكنها أنكرت جميع الاتهامات، ولم يكن هناك دليل مباشر ضدها سوى محاولة الهرب.
تواصل علي حسن سلامة مع الضابط الفلسطيني في النمسا وطلب منه البحث عن أي دليل يؤكد أنها الجاسوسة المطلوبة.
ولكي يتمكن الضابط من دخول منزلها، زوّر رسالة من السفارة الأردنية، وذهب بها إلى مكتب مختص بتوفير فرص الزواج للأجانب، مدعيًا أنه يبحث عن معلومات تخص فتاة أردنية تزوجت هناك، فحصل بالفعل على بياناتها وعنوان منزلها.
دخل الضابط منزلها وفتشه جيدًا، ليعثر على دفتر يوميات كانت أمينة تكتب فيه كل ما مرّ بها منذ سفرها إلى النمسا وحتى تجنيدها في الموساد.
أرسل الضابط الدفتر إلى المخابرات الفلسطينية، وواجهوا أمينة به، بل وأخبروها أيضًا أن زوجها موشيه ما زال حيًا، وأروها صحيفة تتحدث عن تبادل أسرى وتظهر صورته بينهم.
انهارت أمينة عندما رأت الخبر، لكن الحقيقة أن موشيه لم يكن حيًا، بل كانت خدعة لإرباكها ودفعها للاعتراف، ومع ذلك استمرت في الإنكار.
وادعت أن لديها اضطرابًا نفسيًا يدفعها إلى اختلاق القصص وكتابتها في يومياتها.
وبعد استخدام مختلف أساليب التحقيق، تقرر تسليمها إلى السلطات اللبنانية، والغريب أن تلك السلطات صدقتها وكانت على وشك الإفراج عنها، لكن المقاومة تدخلت سريعًا وطلبت تسليمها لمدة ثلاثة أيام فقط، إلا أن تلك الأيام امتدت إلى خمس سنوات.
خلال تلك الفترة اعترفت أمينة المفتي بكل شيء، وتم القبض على كل من ساعدها، بينما كان الموساد يضغط لاستعادتها عبر صفقة تبادل أسرى.
وبالفعل، في عام 1980، تمت صفقة تبادل أُعيدت فيها أمينة مقابل اثنين من أهم الأسرى الفلسطينيين.
وعندما عادت إلى إسرائيل، كان أول ما فكرت فيه هو أهلها، فتواصلت مع أختها فاطمة المقيمة في إيطاليا، لكن أختها ما إن سمعت صوتها حتى شتمتها وأغلقت الهاتف قائلة: «أختي ماتت».
بعد ذلك طلبت أمينة من الموساد التواصل مع أهلها في الأردن طلبًا للمسامحة، لكن الضابط عاد إليها بتسجيل صوتي لأسرتها.
وهناك سمعت أن والدها مات قهرًا بسببها، وأن والدتها فقدت النطق، وأنهم لم يعودوا يعتبرون أن لهم ابنة تُدعى أمينة.
دخلت أمينة المفتي بعد ذلك في انهيار عصبي، ثم اختفت تمامًا، ولم يعد أحد يعرف عنها شيئًا. وقيل إنها دخلت مصحة نفسية للعلاج، وقيل أيضًا إنها هاجرت وخضعت لعمليات تجميل غيّرت ملامحها حتى لا يتعرف عليها أحد، وهكذا انتهت الحكاية.