هدهد سليمان عليه السلام رجل وليس طير وإليكم الأدلّة:

المحتويات:

قصّة هُدهد النبي سليمان عليه ما هو الدّليل على أنَّ الهدهد إنسان من حاشية سليمان ع وليسَ طيرا؟

إذا كانَ الهدهد طيرًا فلماذا قالَ سليمان ع لأذبحنّهُ؟ الاسم: هدهد لماذا سمّى القرآن هذا الشّخص هدهد؟ سفر الهدهد إلى اليمن حمل هدهد رسالة سليمان ع إلى سبأ.

قصة هدهد سليمان

(وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لاَ أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ* لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ) (النمل: 21-22).

أمر سليمان ؏ قادته وجنوده بالمثول أمامه، فلما تفقّدَهم وجد أحد قادة كتيبة العلماء غائبًا وكان اسمه “الهدهد”. فثار سليمان غضبًا لغياب قائده في ذلك الوقت الحرج الذي كان يتأهب فيه لمحاربة بلد آخر. فظن أن هناك مؤامرة تحاك ضده، فقال: ما لي لا أرى الهدهد أم أنه قد غاب وهرب؟ فإني سأعاقبه عقابًا شديدًا أو سأقتله إلا إذا أتاني بعذر واضح يبرر غيابه.

يظن المفسرون أنه كانت في جيش سليمان ؏ كتائب طيور حقيقية، وكان الهدهد -هذا الطير الذي يصيده الأطفال بالنبلة- أحد القادة. وبهذا الجيش القوي خرج سليمان لفتح بلاد اليمن (معالم التنـزيل، والطبري)

ما هو الدليل على أن الهدهد إنسان من حاشية سليمان وليس طيرا؟

أولاً: كل إنسان عاقل يدرك أن ما يقوله المفسرون لا يدل على كون الهدهد قائدًا، بل يؤكد عدم حكمة سليمان -والعياذ بالله- مع أن أنبياء الله تعالى حكماء. فمن المستحيل أن يخرج إنسان عاقل لفتح بلاد اليمن بجيش من الحمائم والزغاليل والعصافير والهداهد والسمان والحجل. والحق أن التغلب على مثل هذا الجيش لا يتطلب جيشًا بل عند وصول خبره إلى البلدة سيخرج الأطفال بالنبال إلى الشوارع، ويجعلون اليوم يوم عيد لأهلها كلهم إذ يهيئون لهم شواءً لذيذًا من لحوم الطيور. أفستكون هذه حربًا أم مسابقةً لصيد العصافير والطيور؟ بقراءة هذه القصص الخرافية التي ذكرها المفسرون في تفاسيرهم يضطر المرء لتصديق ما قاله تيمورلنك بأن فرقة العلماء ينبغي وضعها في مؤخرة الجيش، إذ يستهينون بالحرب بهذا الشكل المخزي.

والأغرب من ذلك أن سليمان ؏ -الذي قالوا عنه أنه لم يرضَ أن يدوس نملة واحدة تحت قدمه عمدًا- يمتلئ غيظًا ليهدّد الهدهد الذي لا عقل له وحجمُه بحجم العصفور. فمن المحال أن يتوقع نبي من الطيور ما يتوقعه المرء من أذكياء الناس. إن القرآن الكريم بين أيدينا، فمتى ورد فيه أن الطيور تبلغ من الذكاء والعقل بحيث إن بعضها إذا ارتكب خطأً فعلى المرء أن يستلّ سيفه ويقول له: سأضرب عنقك أو لتأتيني بعذر مقبول؟ أو هل رأيتَ أحدًا من جيرانك قابضًا على الهدهد وهو يضربه بالعصا ويقول له: لماذا أكلتَ غلالي؟ وإذا رأيت شخصًا كهذا أتعدّه من العقلاء أم من المجانين؟ فثبت أن المفسرين الذين قالوا أن سليمان قال هذا الكلام لطير الهدهد إنما نسبوا الغباء إلى سليمان ؏، إذ يقول هنا صراحة (لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ)، وهذا يعني أن طير الهدهد هذا كان يعرف الأدلة والبراهين مثل سقراط وأبيقراط وأفلاطون، ولذلك توقع منه سليمان أن يقدم أدلته على براءته.

ثانيًا: يخبرنا القرآن الكريم أن سليمان كان يملك جنود الجن والإنس والطيور، ولكن الغريب أنه لا يفكر إلا في الهدهد من بين كل الجيش، فيقول: ما لي لا أرى الهدهد؟ إن الدول في الدنيا لا تقبل عند التعبئة أي إنسان قامته أقل من خمسة أقدام، ولكن سليمان ؏ يقوم بتعبئة عجيبة حيث يقبل طير الهدهد في جيوشه! والأغرب من ذلك أنه لم تكن في جيشه أي كتيبة خاصة بالهداهد بل فيه هدهد واحد فقط! فما الحكمة من اصطحابه؟ وما هو العمل الذي سينجزه؟

وثالثًا: يعلن القرآن الكريم أن الهدهد قال كذا وكذا، مع أنه يتحدث هنا عن معرفة سليمان منطق الطير، فكان المفروض أن تُذكر هنا معجزة سليمان ؏، ولكنهم يذكرون هنا معجزة الهدهد التي هي في الحقيقة أكبر من معجزته ؏.

ورابعًا: أن الهدهد ليس من الطيور السريعة الطيران حتى يقال أنه طار كل تلك المسافة الطويلة، بل الحق أنه عادةً يموت في المنطقة التي يولد فيها. بينما يتضح من القرآن أن الهدهد طار من الشام إلى مُلك “سبأ” لأكثر من ثمانمئة ميل دون انقطاع، ثم عاد إلى سليمان بخبرهم. وهذا يعني أنه كان أسرع من الطائرات، وأن المعجزة هي للهدهد لا لسليمان، مع أن المفسرين يريدون هنا بيان معجزة سليمان ؏.

خامسًا: وقد أرى الهدهد معجزة أخرى حيث كان يعلم من دقائق الشرك والتوحيد ما لا يعلمه اليوم المشايخ أيضًا. فانظر كيف يبين أسرار التوحيد العالي إذ يقول (وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لاَ يَهْتَدُونَ) (النمل: 25).

ثم إن مشايخ اليوم يرون جيرانهم يأتون أعمالاً وثنية ولا ينهونهم، ولكن انظر إلى غيرة الهدهد الدينية حيث يطير في كل حدب وصوب ليخبر سليمان بما يأتيه الناس من أعمال الشرك وعبادة الأصنام.

سادسًا: ثم إن الهدهد خبير بالأمور السياسية أيضًا حيث يقول لسليمان ؏: (وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ).. أي أن عند ملكة “سبأ” كل ما يحتاج إليه الملِك. وهذا يعني أن الهدهد قام بفحص خزائنها ومؤسساتها، فلذلك ذكر في تقريره أنها تملك كل ما هو ضروري للحكم.

سابعًا: ثم إن الهدهد يعلم جيدًا الشيطان ومكائده إذ يقول من كان الشيطان وليه نشأت في قلبه أفكار سيئة. بل الحق أن الهدهد يعلم النتائج الوخيمة للأفكار السيئة أيضًا حيث يقول: (فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ).. أي أن الشيطان قد صدّهم وأبعدهم عن سبل قرب الله ﷻ من جراء أفكارهم السيئة. إذًا، فإن الهدهد لم يكن مجرد طير بل كان عالمًا كبيرًا. يا ليتنا نجد هدهدًا واحدًا مثله لنطرد جميع المشايخ من وظائفهم ونعينه مفتيًا للبلاد.

ثامنًا: إن الهدهد كان يعلم جيدًا كيف يجب أن يكون عرش الملوك حيث يقول لسليمان ؏: (وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ).. أي أن ملكة سبأ تملك عرشًا عظيمًا ولكنك لا تملك مثله. وكأنه يُغريه بذلك بالهجوم على الملكة.

إن هذه الأمور كلها تدل دلالة واضحة على أن هذا الهدهد لم يكن طيرًا، بل كان إنسانًا. ذلك لأن القرآن يعلن صراحة أن أمانة الشرع لم تحملها الملائكة ولا السماوات ولا الأرض، إنما حملها الإنسان وحده وأنه وحده الذي يعلم أسرار شريعة الله تعالى. إن الملائكة تعلم جانبًا واحدًا من الأشياء وهو جانب الخير، أما الإنسان فيعلم الجانبين، جانب الخير والشر، وينظر إلى الأمور كلها. وما دام هذا الهدهد واقفًا على أسرار الشريعة فثبت أنه كان إنسانًا لا طيرًا، لقوله تعالى: (وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ) حيث بين تعالى صراحة أن لا أحد من الخلائق يحمل أسرار الشرع سوى الإنسان.

طائر الهدهد
طائر الهدهد

إذا كان الهدهد طيرًا، فلماذا قال سليمان ؏ لأذبحنه؟

فاعلم أن الذبح في العربية يعني القتل والفتك أيضًا (تاج العروس). كما قال الله تعالى في القرآن الكريم عن فرعون: (يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ) (القصص: 5).. أي أنه كان يقتل أبناء بني إسرائيل. فلو جاز للمفسرين اعتبار الهدهد طيرًا لورود لفظ الذبح في حقه، فلم لا يجوز اعتبار أبناء بني إسرائيل طيورًا لورود الذبح في حقهم أيضًا؟

ثم اعلم أنهم إذا أطلقوا اسم شيء على شيء لمشابهة بينهما وصفوا المشبَّه بكلمات تناسب المشبَّه به، وهو مما يفضي على الكلام جمالاً وبهاءً. فمثلاً إذا شبّهتَ إنسانًا بالأسد، فتقول إنه يزأر كالأسد، ولا تقول إنه يغنّي كالأسد. وبالمثل لما استعمل القرآن الكريم لفظ الهدهد لهذا الإنسان استعمل له كلمة الذبح أيضًا تزيينًا للكلام، وإن كان هذا قائد جيش.

الاسم: هدهد

لماذا سمى القرآن هذا الشخص هدهد؟

عندما نتصفح كتب بني إسرائيل لمعرفة ماهية الهدهد ولنرى ما إذا كان فيهم إنسان بهذا الاسم، نكتشف أنه كان في اليهود في زمن سليمان ؏ أناس كثيرون اسمهم “هُدَد”. والحق أن الاسم العبراني “هُدَد” تحوَّلَ إلى الهدهد في العربية شأنه شأن أبرهام الذي صار إبراهيم، ويسوع الذي صار عيسى، وموشي الذي صار موسى في العربية. ولا غرابة في ذلك مطلقًا، وبالمثل إن القرآن الذي نـزل بالعربية عندما ذكر اسم “هُدَد” العبري جعله الهدهد.

والتاريخ يبين لنا أن “هُدَد” كان اسم العديد من الملوك الأدوميين، ومعناه: الجلبة الكبيرة. والهدُّ في اللغة العربية أيضًا يعني الصوت الغليظ (الأقرب). ويبدو أن بني إسرائيل كانوا يسمون الطفل الغليظ الصوت هُدَدًا أو هُدهُدًا. وقد أُطلق اسم “هُدَد” على الملك الأدومي الثالث الذي ألحقَ الهزيمة بقوم مَدْين، وأيضًا على الملك الأدومي الأخير (الموسوعة اليهودية، تحت: Hadad). وكان الهدهد اسم أحد أبناء إسماعيل ؏ أيضًا.(المترجم: لم نعثر على هذا الاسم)

وقد ذكر الكتاب المقدس (في الملوك الأول 11: 14) أحد أمراء الأسرة الأدومية وكان اسمه هُدَد، وكان قد فرّ إلى مصر خوفًا من القتل العام الذي أمر به يوآب.

وورد في الموسوعة اليهودية أن لفظ “هُدَد” إذا ورد في العهد القديم خاليًا من أي صفة أو فعلٍ فيعني أحد أفراد الأسرة الأدومية. (تحت كلمة: Hadad)

باختصار، إن الهدهد تعريب للكلمة العبرية “هُدَد”.

ثم يقول المفسرون أن ما دل سليمان ؏ على غياب الهدهد هو أنه كان في سفر في برية لا ماء فيها، فحان وقت الصلاة، فأراد الوضوء فلم يجد ماء، فقال لأصحابه: أين الهدهد؟ اطلبوا منه أن يبحث عن الماء. ذلك لأن الهدهد هو الذي كان يدلهم على الماء كلما احتاجوا إليه. فبحثوا عن الهدهد ولم يجدوه. فاستشاط سليمان ؏ غضبًا وقال: حينما يأتي الهدهد (لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ) (النمل: 22). (روح المعاني)

ولكن البعض الآخر قد اختلف مع هؤلاء المفسرين وقال إن الواقع أن سليمان ؏ كلما سافر أظلته أسراب الطيور، وفي أحد الأيام وصلت الشمس إليه من خلال ثغرة كانت في هذا الظل، فرفع بصره وعلم سبب الثغرة وهو أن الهدهد كان قد ترك مكانه. (القرطبي)

إذًا، فمن عادة المفسرين نقل حكايات خرافية في تفاسيرهم. مع أن كل ما في الأمر هو أن لفظ الهدهد الوارد في القرآن الكريم تعريب لاسم “هُدَد” العبري، والمراد منه أحد أمراء الأسرة الأدومية الذي كان قائدًا في جيش سليمان ؏. كانت الأسرة الأدومية من أعداء سليمان وكانت تعيش خاضعة لمُلكه، فلما فقد سليمان قائده الهدهد ظن أنه ربما خانه وذهب إلى الأعداء للتآمر عليه، فأعرب سليمان ؏ عن قلقه وغضبه.

وقد يكون الهدهد رئيس قبيلة عربية، إذ يخبرنا الكتاب المقدس أن أحد أبناء إسماعيل ؏ كان يسمى الهدهد. ومن الثابت تاريخيًا أن القبائل العربية كانت مقيمة في الطريق المؤدي من فلسطين إلى اليمن. وكان العرب واليهود يعادون بعضهم بعضًا، ورغم أن العرب خضعوا لملك سليمان إلا أن العداء لم يزُل من القلوب، فلما وجد سليمان ؏ أحد الرؤساء العرب غائبًا أوجس منه خِيفة فثار وغضب. وبما أن منطقة اليمن التي كان سليمان ؏ قد خرج بنيّة الهجوم عليها كانت بلدًا عربيًا فالأقرب إلى القياس أن الهدهد كان أحد الرؤساء العرب.

هدهد سليمان عليه السلام رجل وليس طير وإليكم الأدلّة:

سفر الهدهد إلى اليمن

(فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ * إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ * وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لاَ يَهْتَدُونَ * أَلاَّ يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ * اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ) (النمل: 23-27)

أي لم يمكث سليمان ؏ في ذلك المكان طويلاً حتى رجع إليه ذلك الرئيس العربي الغائب، وقال له: كنتَ تريد الإغارة على مُلك “سبأ” الذي هو منطقة من بلادي، فسبقتُك إليه للاستطلاع، إذ لم تكن هذه المهمة صعبة علي لكوني من العرب وأعرف لغتهم. لقد علمتُ علم اليقين أن امرأة تحكم تلك البلاد حُكمًا رائعًا، وهي تملك كل نوع من الأسباب، وملكها عظيم… وربما أراد الهدهد بقوله هذا تخويف سليمان ؏ كي لا يستولي على بلاد قومه، ولكن ما قاله بعد ذلك دفع سليمان أكثر للهجوم على تلك البلاد، وهو قوله إن هؤلاء يعبدون الشمس من دون الله، وأن الشيطان قد زيّن لهم أعمالهم وأضلَّهم عن سبيل التوحيد، وأنهم مصرّون على ألا يسجدوا لله الذي يعلم أسرار السموات والأرض كلها، والذي لم يجعل الشمس والقمر إلا كخادمين له، والذي وهب أنبياءه العلوم المادية والروحانية، والذي هو رب عباده الموحدين، والذي مُلكه أعظم من مُلك هذه الملِكة، وسيكون مُلكه غالبًا على كل مُلك آخر.

وهكذا حاول الهدهد استرضاء سليمان ؏، وبيّن له أنه لم يغِبْ بدون سبب بل رأى هذا الاستطلاع ضروريًا لمصلحة البلاد.

 حمل هدهد رسالة سليمان ؏ إلى سبأ:

(قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ* اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ) (النمل: 28-29)

فقال سليمان ؏ سنذهب إلى هناك ونرى ما إذا كنت صادقًا في ما قلت أم كنت من الكاذبين. اذهبْ بكتابي هذا إلى هؤلاء القوم وضَعْه أمامهم، ثم تأخر قليلا في انتظار الجواب.

انظرْ هنا أيضًا ما ينصح به سليمان ؏ طيرًا من الطيور! إننا نعرف أن الناس يعلقون في عنق الحمام رسالة، ولكن المفسرين قد جعلوا الهدهد ساعي بريد فعلاً. ثم انظر إلى الأدب واللباقة التي يعلّمها سليمان ؏ طيرًا لا عقل له، حيث يقول: لا تضع هذه الرسالة في يد الملكة مباشرة لأنه يُعَدّ من سوء الأدب، بل ضعْها أمام حاشيتها ليعرضوها عليها بأنفسهم، فهذا من الآداب السلطانية. ثم لا تتسرع في طلب الجواب -وهذا يعني أن سليمان ؏ لم يكن وحده يعلم منطق الطير بل كانت ملكة “سبأ” أيضًا تعلمه- وانتظِرْ حتى يعطوك الجواب، ثم ارجعْ به إلي.

(قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ * إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * أَلاَّ تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ) (النمل: 30-32)

لقد تبين من هنا أن سليمان ؏ لم يتوجه إلى بلدهم لمحاربتهم بدون مبرر، بل كان هؤلاء قد تمرّدوا عليه، فذهب لإخماد ثورتهم، حيث يقول: (أَلا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ).. أي إذا جئتموني منقادين فسأعفو عما سلف منكم.

قالت الملكة أيها الرؤساء، أشيروا عليّ في هذه المعضلة، فإني لا أبُتُّ في أمر إلا بعد أن تحضروني وتقدموا مشورتكم.

وهذا يدل أن الديموقراطية كانت سائدة في ذلك الزمن أيضًا، وكانت حقوق الملوك محدودة.

فقال الرؤساء للملكة -وقد رأوا أن أحد قادة جيش سليمان هو طير بقدر عصفور!- أيتها الملكة، إنّا قوم بواسل خبراء بالحرب، فماذا عسى أن يضرنا جيش من الطيور؟ سيصيدها أولادنا في دقائق ويأكلونها. بيد أن القرار في يدك على أية حال، ونحن تحت أمرك. فإن قررتِ أن يخرج قادة جيشك وراء هذه العصافير والطيور على متون خيولهم فسوف ننفذ أمرك، وإن قررت صيد هذا الجيش من العصافير والطيور لنعمل منها شواءً لذيذًا فعلى الرأس والعين!

المحتويات:

قصّة هدهد النبي سليمان عليه السّلام ما هو الدّليل على أنَّ الهدهد إنسان من حاشية النبي سليمان وليس طيرًا، فلماذا قالَ سليمان عليه السَّلام لأذبحنّهُ؟

الاسم: هدهد لماذا سمّى القرأن هذا الشّخص هدهد؟

سفر الهدهد إلى اليمن، حمل هدهد رسالة سليمان عليه السّلام إلى سبأ:

قصة هدهد سليمان عليه السّلام:

(وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لاَ أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ* لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ) (النمل: 21-22).

أمر سليمان ؏ قادته وجنوده بالمثول أمامه، فلما تفقّدَهم وجد أحد قادة كتيبة العلماء غائبًا وكان اسمه “الهدهد”. فثار سليمان غضبًا لغياب قائده في ذلك الوقت الحرج الذي كان يتأهب فيه لمحاربة بلد آخر. فظن أن هناك مؤامرة تحاك ضده، فقال: ما لي لا أرى الهدهد أم أنه قد غاب وهرب؟ فإني سأعاقبه عقابًا شديدًا أو سأقتله إلا إذا أتاني بعذر واضح يبرر غيابه.

يظن المفسرون أنه كانت في جيش سليمان ؏ كتائب طيور حقيقية، وكان الهدهد -هذا الطير الذي يصيده الأطفال بالنبلة- أحد القادة. وبهذا الجيش القوي خرج سليمان لفتح بلاد اليمن (معالم التنـزيل، والطبري)

ما هو الدليل على أن الهدهد إنسان من حاشية سليمان وليس طيرا؟

أولاً: كل إنسان عاقل يدرك أن ما يقوله المفسرون لا يدل على كون الهدهد قائدًا، بل يؤكد عدم حكمة سليمان -والعياذ بالله- مع أن أنبياء الله تعالى حكماء. فمن المستحيل أن يخرج إنسان عاقل لفتح بلاد اليمن بجيش من الحمائم والزغاليل والعصافير والهداهد والسمان والحجل. والحق أن التغلب على مثل هذا الجيش لا يتطلب جيشًا بل عند وصول خبره إلى البلدة سيخرج الأطفال بالنبال إلى الشوارع، ويجعلون اليوم يوم عيد لأهلها كلهم إذ يهيئون لهم شواءً لذيذًا من لحوم الطيور.فستكون هذه حربًا أم مسابقةً لصيد العصافير والطيور؟ بقراءة هذه القصص الخرافية التي ذكرها المفسرون في تفاسيرهم يضطر المرء لتصديق ما قاله تيمورلنك بأن فرقة العلماء ينبغي وضعها في مؤخرة الجيش، إذ يستهينون بالحرب بهذا الشكل المخزي.

والأغرب من ذلك أن سليمان ؏ -الذي قالوا عنه أنه لم يرضَ أن يدوس نملة واحدة تحت قدمه عمدًا- يمتلئ غيظًا ليهدّد الهدهد الذي لا عقل له وحجمُه بحجم العصفور. فمن المحال أن يتوقع نبي من الطيور ما يتوقعه المرء من أذكياء الناس. إن القرآن الكريم بين أيدينا، فمتى ورد فيه أن الطيور تبلغ من الذكاء والعقل بحيث إن بعضها إذا ارتكب خطأً فعلى المرء أن يستلّ سيفه ويقول له: سأضرب عنقك أو لتأتيني بعذر مقبول؟ أو هل رأيتَ أحدًا من جيرانك قابضًا على الهدهد وهو يضربه بالعصا ويقول له: لماذا أكلتَ غلالي؟ وإذا رأيت شخصًا كهذا أتعدّه من العقلاء أم من المجانين؟ فثبت أن المفسرين الذين قالوا أن سليمان قال هذا الكلام لطير الهدهد إنما نسبوا الغباء إلى سليمان ؏، إذ يقول هنا صراحة (لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ)، وهذا يعني أن طير الهدهد هذا كان يعرف الأدلة والبراهين مثل سقراط وأبيقراط وأفلاطون، ولذلك توقع منه سليمان أن يقدم أدلته على براءته.

هدهد سليمان عليه السّلام إنسان( قائد في الجيش ) وليس طائر وإليكم الأدلة

ثانيًا: يخبرنا القرآن الكريم أن سليمان كان يملك جنود الجن والإنس والطيور، ولكن الغريب أنه لا يفكر إلا في الهدهد من بين كل الجيش، فيقول: ما لي لا أرى الهدهد؟ إن الدول في الدنيا لا تقبل عند التعبئة أي إنسان قامته أقل من خمسة أقدام، ولكن سليمان ؏ يقوم بتعبئة عجيبة حيث يقبل طير الهدهد في جيوشه! والأغرب من ذلك أنه لم تكن في جيشه أي كتيبة خاصة بالهداهد بل فيه هدهد واحد فقط! فما الحكمة من اصطحابه؟ وما هو العمل الذي سينجزه؟

وثالثًا: يعلن القرآن الكريم أن الهدهد قال كذا وكذا، مع أنه يتحدث هنا عن معرفة سليمان منطق الطير، فكان المفروض أن تُذكر هنا معجزة سليمان ؏، ولكنهم يذكرون هنا معجزة الهدهد التي هي في الحقيقة أكبر من معجزته ؏.

ورابعًا: أن الهدهد ليس من الطيور السريعة الطيران حتى يقال أنه طار كل تلك المسافة الطويلة، بل الحق أنه عادةً يموت في المنطقة التي يولد فيها. بينما يتضح من القرآن أن الهدهد طار من الشام إلى مُلك “سبأ” لأكثر من ثمانمئة ميل دون انقطاع، ثم عاد إلى سليمان بخبرهم. وهذا يعني أنه كان أسرع من الطائرات، وأن المعجزة هي للهدهد لا لسليمان، مع أن المفسرين يريدون هنا بيان معجزة سليمان ؏.

خامسًا: وقد أرى الهدهد معجزة أخرى حيث كان يعلم من دقائق الشرك والتوحيد ما لا يعلمه اليوم المشايخ أيضًا. فانظر كيف يبين أسرار التوحيد العالي إذ يقول (وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لاَ يَهْتَدُونَ) (النمل: 25).

ثم إن مشايخ اليوم يرون جيرانهم يأتون أعمالاً وثنية ولا ينهونهم، ولكن انظر إلى غيرة الهدهد الدينية حيث يطير في كل حدب وصوب ليخبر سليمان بما يأتيه الناس من أعمال الشرك وعبادة الأصنام.

سادسًا: ثم إن الهدهد خبير بالأمور السياسية أيضًا حيث يقول لسليمان ؏: (وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ).. أي أن عند ملكة “سبأ” كل ما يحتاج إليه الملِك. وهذا يعني أن الهدهد قام بفحص خزائنها ومؤسساتها، فلذلك ذكر في تقريره أنها تملك كل ما هو ضروري للحكم.

سابعًا: ثم إن الهدهد يعلم جيدًا الشيطان ومكائده إذ يقول من كان الشيطان وليه نشأت في قلبه أفكار سيئة. بل الحق أن الهدهد يعلم النتائج الوخيمة للأفكار السيئة أيضًا حيث يقول: (فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ).. أي أن الشيطان قد صدّهم وأبعدهم عن سبل قرب الله ﷻ من جراء أفكارهم السيئة. إذًا، فإن الهدهد لم يكن مجرد طير بل كان عالمًا كبيرًا. يا ليتنا نجد هدهدًا واحدًا مثله لنطرد جميع المشايخ من وظائفهم ونعينه مفتيًا للبلاد.

ثامنًا: إن الهدهد كان يعلم جيدًا كيف يجب أن يكون عرش الملوك حيث يقول لسليمان ؏: (وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ).. أي أن ملكة سبأ تملك عرشًا عظيمًا ولكنك لا تملك مثله. وكأنه يُغريه بذلك بالهجوم على الملكة.

إن هذه الأمور كلها تدل دلالة واضحة على أن هذا الهدهد لم يكن طيرًا، بل كان إنسانًا. ذلك لأن القرآن يعلن صراحة أن أمانة الشرع لم تحملها الملائكة ولا السماوات ولا الأرض، إنما حملها الإنسان وحده وأنه وحده الذي يعلم أسرار شريعة الله تعالى. إن الملائكة تعلم جانبًا واحدًا من الأشياء وهو جانب الخير، أما الإنسان فيعلم الجانبين، جانب الخير والشر، وينظر إلى الأمور كلها. وما دام هذا الهدهد واقفًا على أسرار الشريعة فثبت أنه كان إنسانًا لا طيرًا، لقوله تعالى: (وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ) حيث بين تعالى صراحة أن لا أحد من الخلائق يحمل أسرار الشرع سوى الإنسان.

طائر الهدهد
طائر الهدهد

إذا كان الهدهد طيرًا، فلماذا قال سليمان ؏ لأذبحنه؟

فاعلم أن الذبح في العربية يعني القتل والفتك أيضًا (تاج العروس). كما قال الله تعالى في القرآن الكريم عن فرعون: (يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ) (القصص: 5).. أي أنه كان يقتل أبناء بني إسرائيل. فلو جاز للمفسرين اعتبار الهدهد طيرًا لورود لفظ الذبح في حقه، فلم لا يجوز اعتبار أبناء بني إسرائيل طيورًا لورود الذبح في حقهم أيضًا؟

ثم اعلم أنهم إذا أطلقوا اسم شيء على شيء لمشابهة بينهما وصفوا المشبَّه بكلمات تناسب المشبَّه به، وهو مما يفضي على الكلام جمالاً وبهاءً. فمثلاً إذا شبّهتَ إنسانًا بالأسد، فتقول إنه يزأر كالأسد، ولا تقول إنه يغنّي كالأسد. وبالمثل لما استعمل القرآن الكريم لفظ الهدهد لهذا الإنسان استعمل له كلمة الذبح أيضًا تزيينًا للكلام، وإن كان هذا قائد جيش.

الاسم: هدهد

لماذا سمى القرآن هذا الشخص هدهد؟

عندما نتصفح كتب بني إسرائيل لمعرفة ماهية الهدهد ولنرى ما إذا كان فيهم إنسان بهذا الاسم، نكتشف أنه كان في اليهود في زمن سليمان ؏ أناس كثيرون اسمهم “هُدَد”. والحق أن الاسم العبراني “هُدَد” تحوَّلَ إلى الهدهد في العربية شأنه شأن أبرهام الذي صار إبراهيم، ويسوع الذي صار عيسى، وموشي الذي صار موسى في العربية. ولا غرابة في ذلك مطلقًا، وبالمثل إن القرآن الذي نـزل بالعربية عندما ذكر اسم “هُدَد” العبري جعله الهدهد.

والتاريخ يبين لنا أن “هُدَد” كان اسم العديد من الملوك الأدوميين، ومعناه: الجلبة الكبيرة. والهدُّ في اللغة العربية أيضًا يعني الصوت الغليظ (الأقرب). ويبدو أن بني إسرائيل كانوا يسمون الطفل الغليظ الصوت هُدَدًا أو هُدهُدًا. وقد أُطلق اسم “هُدَد” على الملك الأدومي الثالث الذي ألحقَ الهزيمة بقوم مَدْين، وأيضًا على الملك الأدومي الأخير (الموسوعة اليهودية، تحت: Hadad). وكان الهدهد اسم أحد أبناء إسماعيل ؏ أيضًا.(المترجم: لم نعثر على هذا الاسم)

وقد ذكر الكتاب المقدس (في الملوك الأول 11: 14) أحد أمراء الأسرة الأدومية وكان اسمه هُدَد، وكان قد فرّ إلى مصر خوفًا من القتل العام الذي أمر به يوآب.

وورد في الموسوعة اليهودية أن لفظ “هُدَد” إذا ورد في العهد القديم خاليًا من أي صفة أو فعلٍ فيعني أحد أفراد الأسرة الأدومية. (تحت كلمة: Hadad)

باختصار، إن الهدهد تعريب للكلمة العبرية “هُدَد”.

ثم يقول المفسرون أن ما دل سليمان ؏ على غياب الهدهد هو أنه كان في سفر في برية لا ماء فيها، فحان وقت الصلاة، فأراد الوضوء فلم يجد ماء، فقال لأصحابه: أين الهدهد؟ اطلبوا منه أن يبحث عن الماء. ذلك لأن الهدهد هو الذي كان يدلهم على الماء كلما احتاجوا إليه. فبحثوا عن الهدهد ولم يجدوه. فاستشاط سليمان ؏ غضبًا وقال: حينما يأتي الهدهد (لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ) (النمل: 22). (روح المعاني)

ولكن البعض الآخر قد اختلف مع هؤلاء المفسرين وقال إن الواقع أن سليمان ؏ كلما سافر أظلته أسراب الطيور، وفي أحد الأيام وصلت الشمس إليه من خلال ثغرة كانت في هذا الظل، فرفع بصره وعلم سبب الثغرة وهو أن الهدهد كان قد ترك مكانه. (القرطبي)

إذًا، فمن عادة المفسرين نقل حكايات خرافية في تفاسيرهم. مع أن كل ما في الأمر هو أن لفظ الهدهد الوارد في القرآن الكريم تعريب لاسم “هُدَد” العبري، والمراد منه أحد أمراء الأسرة الأدومية الذي كان قائدًا في جيش سليمان ؏. كانت الأسرة الأدومية من أعداء سليمان وكانت تعيش خاضعة لمُلكه، فلما فقد سليمان قائده الهدهد ظن أنه ربما خانه وذهب إلى الأعداء للتآمر عليه، فأعرب سليمان ؏ عن قلقه وغضبه.

وقد يكون الهدهد رئيس قبيلة عربية، إذ يخبرنا الكتاب المقدس أن أحد أبناء إسماعيل ؏ كان يسمى الهدهد. ومن الثابت تاريخيًا أن القبائل العربية كانت مقيمة في الطريق المؤدي من فلسطين إلى اليمن. وكان العرب واليهود يعادون بعضهم بعضًا، ورغم أن العرب خضعوا لملك سليمان إلا أن العداء لم يزُل من القلوب، فلما وجد سليمان ؏ أحد الرؤساء العرب غائبًا أوجس منه خِيفة فثار وغضب. وبما أن منطقة اليمن التي كان سليمان ؏ قد خرج بنيّة الهجوم عليها كانت بلدًا عربيًا فالأقرب إلى القياس أن الهدهد كان أحد الرؤساء العرب.

سفر الهدهد إلى اليمن

(فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ * إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ * وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لاَ يَهْتَدُونَ * أَلاَّ يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ * اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ) (النمل: 23-27)

أي لم يمكث سليمان ؏ في ذلك المكان طويلاً حتى رجع إليه ذلك الرئيس العربي الغائب، وقال له: كنتَ تريد الإغارة على مُلك “سبأ” الذي هو منطقة من بلادي، فسبقتُك إليه للاستطلاع، إذ لم تكن هذه المهمة صعبة علي لكوني من العرب وأعرف لغتهم. لقد علمتُ علم اليقين أن امرأة تحكم تلك البلاد حُكمًا رائعًا، وهي تملك كل نوع من الأسباب، وملكها عظيم… وربما أراد الهدهد بقوله هذا تخويف سليمان ؏ كي لا يستولي على بلاد قومه، ولكن ما قاله بعد ذلك دفع سليمان أكثر للهجوم على تلك البلاد، وهو قوله إن هؤلاء يعبدون الشمس من دون الله، وأن الشيطان قد زيّن لهم أعمالهم وأضلَّهم عن سبيل التوحيد، وأنهم مصرّون على ألا يسجدوا لله الذي يعلم أسرار السموات والأرض كلها، والذي لم يجعل الشمس والقمر إلا كخادمين له، والذي وهب أنبياءه العلوم المادية والروحانية، والذي هو رب عباده الموحدين، والذي مُلكه أعظم من مُلك هذه الملِكة، وسيكون مُلكه غالبًا على كل مُلك آخر.

وهكذا حاول الهدهد استرضاء سليمان ؏، وبيّن له أنه لم يغِبْ بدون سبب بل رأى هذا الاستطلاع ضروريًا لمصلحة البلاد.

 حمل هدهد رسالة سليمان ؏ إلى سبأ:

(قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ* اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ) (النمل: 28-29)

فقال سليمان ؏ سنذهب إلى هناك ونرى ما إذا كنت صادقًا في ما قلت أم كنت من الكاذبين. اذهبْ بكتابي هذا إلى هؤلاء القوم وضَعْه أمامهم، ثم تأخر قليلا في انتظار الجواب.

انظرْ هنا أيضًا ما ينصح به سليمان ؏ طيرًا من الطيور! إننا نعرف أن الناس يعلقون في عنق الحمام رسالة، ولكن المفسرين قد جعلوا الهدهد ساعي بريد فعلاً. ثم انظر إلى الأدب واللباقة التي يعلّمها سليمان ؏ طيرًا لا عقل له، حيث يقول: لا تضع هذه الرسالة في يد الملكة مباشرة لأنه يُعَدّ من سوء الأدب، بل ضعْها أمام حاشيتها ليعرضوها عليها بأنفسهم، فهذا من الآداب السلطانية. ثم لا تتسرع في طلب الجواب -وهذا يعني أن سليمان ؏ لم يكن وحده يعلم منطق الطير بل كانت ملكة “سبأ” أيضًا تعلمه- وانتظِرْ حتى يعطوك الجواب، ثم ارجعْ به إلي.

(قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ * إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * أَلاَّ تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ) (النمل: 30-32)

لقد تبين من هنا أن سليمان ؏ لم يتوجه إلى بلدهم لمحاربتهم بدون مبرر، بل كان هؤلاء قد تمرّدوا عليه، فذهب لإخماد ثورتهم، حيث يقول: (أَلا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ).. أي إذا جئتموني منقادين فسأعفو عما سلف منكم.

قالت الملكة أيها الرؤساء، أشيروا عليّ في هذه المعضلة، فإني لا أبُتُّ في أمر إلا بعد أن تحضروني وتقدموا مشورتكم.

وهذا يدل أن الديموقراطية كانت سائدة في ذلك الزمن أيضًا، وكانت حقوق الملوك محدودة.

فقال الرؤساء للملكة -وقد رأوا أن أحد قادة جيش سليمان هو طير بقدر عصفور!- أيتها الملكة، إنّا قوم بواسل خبراء بالحرب، فماذا عسى أن يضرنا جيش من الطيور؟ سيصيدها أولادنا في دقائق ويأكلونها. بيد أن القرار في يدك على أية حال، ونحن تحت أمرك. فإن قررتِ أن يخرج قادة جيشك وراء هذه العصافير والطيور على متون خيولهم فسوف ننفذ أمرك، وإن قررت صيد هذا الجيش من العصافير والطيور لنعمل منها شواءً لذيذًا فعلى الرأس والعين!

_____________________________________________________________________________________________________________

المرجع: موقع بساط أحمدي