قصيدة حماة الضّيم


حماة الضَّيم لعمر أبو ريشة

عاتبتِهِ ونسيتِ طيبَ نجارهِ

وأبيتِ أنْ تصغي إلى أعذارهِ

تلكَ البقيَّةُ مِن سُلافةِ حلمهِ

نضبت ولم تَنقَع غليلَ أوارِهِ

أوَما لمَحتِ على كآبةِ صمتِهِ

ما شَقَّت الأقدارُ منْ أستارِهِ

كانت لهُ خيلاؤُهُ، أيَّامَ لم

تهتكْ بناتُ الدَّهرِ حرمةَ دارِهِ

أينَ انطلاقُ خيالِهِ في ملعب

روَّى الجفونَ الرمدَّ من أنوارهِ

كم نجمةٍ وثبَتْ لتثلمهِ فلم

تظفرْ بهِ، فتعلَّقتْ بإزارهِ

ولكَم تموَّجَ في صداهُ نديُّهُ

والعِزُّ بينَ يديهِ من سُمّارِهِ

غنَّى عريقَ فخارِهِ حتى أتت

دُهُمُ الخطوبِ على عريقِ فخارِهِ

فذري العِتابَ فلن يهزّك لحنهُ

مازالَ مغموساً بذلّ إسارِهِ

لو شاءَ بثَّ شجونهِ لتكسَّرَت

منها أصابعُهُ على أوتارِهِ

وطنٌ أذابَ على هواهُ شبابَهُ

وحباهُ بالمأثورِ من أشعارهِ

المجدُ يخجلُ أن يُجيلَ الطَّرفَ في

ما هدَّمَ الجُبناءُ من أسوارهِ

فكأنَّهُ من نيلهِ لفراتهِ

حمَلٌ تجاذبَهُ يدا جزَّارهِ!

ما ذنبُ فتيتِهِ إذا شبَّتْ ولمْ

تلمحْ بتربتهِ خُطا أحرارهِ

تركَت لها آباؤها الإرثَ الذي

يبقى مطوّقها بلعنةِ عارهِ

هل في روابي القُدسِ

كهف عِبادةٍ تحنو جوانبهُ على أحبارِهِ

خشبُ الصَّليبِ على الرّمالِ مُخضَّبٌ

بدماءِ مَن نعموا بطيبِ جِوارهِ

فإذا سبيلُ الحقّ منفضُّ الصُّوى

تاهتْ بهِ الطلقاءُ مِن زوَّارِهِ

وإذا قوافلهُ العِجافُ طريدةٌ

والبغيُ يقذفها بمارِجِ نارِهِ

كمْ مُتعبٍ جرَّ السّنينَ وراءه

ومشيبُهُ يبكي جلالَ وقارهِ

مُتلَفّتاً صَوبَ الدّيارِ مودّعاً

وخُطاهُ بينَ نهوضِهِ وعِثارِهِ

كَمْ حُرّةٍ لمْ تدرِ عينُ الشَّمسِ ما

في خِدرها، أغضت بطرفٍ كارِهِ

وبناتِها وجلى، تضُجُّ أمامها

والرّجسُ يدفعها إلى أوكاره

بمنْ استجارت هذهِ الزُّمَرُ التي

مدَّ الزَّمانُ لها يدَ استهتارهِ

العُرْيُ ينشرُها على أنيابِهِ

والجُّوعُ يطويها على أظفارِهِ

فلربَّ سكّيرٍ شدا مترنّحاً

ودموعها ممزوجة بعقارهِ

ولربَّ مِتلافٍ أشاحَ بوجههِ

عنها، وملءُ البيدِ سيلُ نُضارِهِ

حَسبت بناء العُربِ مسموكَ الذُّرى

تتحطَّمُ الأحداثُ دونَ جِدارهِ

فإذا البناةُ على ذليلِ وسادها

تغفو عن الشَّرَفِ الذَّبيحِ وِثارهِ!

* * *

مهلاً حُماةَ الَّضيمِ إنَّ لليلنا

فجراً، سيطوي الضَّيمَ في أطمارِهِ

ما نامَ جفنُ الحقدِ عنكَ وإنَّما

هيَ هدأةُ الرئبالِ قبلَ نفارِهِ

عمر أبو ريشة

شرح المفردات:

__ نجاره: الأصل والنَّسب.

__سلافة: أفضل الخمر وأجودها.

__ تنقع: تخفف.

__ غليلَ: لألم.

___ أوارهِ: حر النار.

___ خيلاؤه: تكبُّرِه.

___ تهتَّكَ: نزعَ عنه الحياء وانهمكَ في الغي، عاشَ حياةَ فسقٍ ومجون.

___ بنات الدهر: شدائد الدَّهر ومصائبه.

___ تلثمهُ: تُقبّله.

___ نديُّهُ: كرمه.

___ إزاره: لباسه الذي يستر به عورته، وهو لباس يلفه الإنسان عادةً ما بينَ السرّة والرّكبة للستر.

___ سمَّار: الذين يسامرونه ويحادثونه ليلاً.
___ دُهَمُ: تغشى، تصيبهم فجأةً.

___ الخطوب: الشأن، الحال، المكروه.

___ إساره: ما يقيّد به الأسير من حبل أو قيد.

___ بثَّ: نشَرَ، أذاعَ، أشاعَ.

___ شجونه: الهموم والأحزان.

____ حباه: أعطاهُ بلا جزاء.

___ يجيلَ:يقلب النَّظَرَ فيها من جميع جوانبها.

___ جزَّارهِ: حرفة الجّزَّار، وهو الذي يذبح الماشية.

___ الإرث: الميراث، أمر قديم يتوارثهُ الآخر عن الأوَّل.

___ تحنو: تعطف وتشفق.

___ أحباره: رهبانه.

___ مخضَّب: مصبوغ بالحنَّاء ونحوه.

___ منفض: خالٍ.

___ الصُّوى: العلامات التي توضع على مفارق الطرق لإرشاد المارَّة.

___ الطّلقاء: الأحرار.

___ العِجاف: الدقيق من شدة الهزال.

___ طريدة: الفريسة، أي حيوان يتعقَّبهُ الصَّيَّاد.

___ البغي: الزّنا.

___ مارج: شعلة ساطعة ذات لهب شديد.

___ عثاره: سقوطه وزلته، وتعثُّره.

___ أغضت: أطبقت جفنيها ونظرت إلى الأرض.

___ وجلى: خائفة، فزعة.

___ الرّجس: كل عمل قبيح.

___ مِتلافٍ: كثير الإسراف.

___ أشاحَ: أعرضَ مبدياً كرهاً أو ازدراء.

___ مترنحاً: مضطرباً في مشيته.

___ نُضارهِ: الخالص من كلّ شيْ، يُقال ذهبٌ نُضار أي خالص.

____ مسموكَ: عال ومرتفع، طويل.

___ الذُّرى: أعلى كل شيء، أعلى نقطة أو أرفع موضع.

___ وثاره: سرير.

___ أطمار: أثواب.

____ الرئبال: الأسد.

____ نفاره: اندفاعه.

عمر أبو ريشة

0 0 vote
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments

log in

Don't have an account?
sign up

reset password

Back to
log in

sign up

Captcha!
Back to
log in
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x