_ وفاة الكاتبة كوليت الخوري:
رحلت كوليت خوري وقد عاشت تسعة عقود ونيف، فعاصرت كل العهود التي مرت بها سورية بدءا من الانتداب الفرنسي حيث ولدت في ثلاثينات القرن العشرين ومرورا بالجلاء والوحدة والانفصال وانقلاب البعث وحكم الأسد الأب ثم وريثه الأبله الهارب. وانتهاء بعهد التحرير وانتصار الثورة التي ناصبتها العداء.
كان يمكن لأديبة عاشت السيرة الذاتية لسورية بتاريخها المعاصر، أن تكون أكثر نزاهة في الحكم على أحقية الشعب السوري في الثورة ضد حكم الأسد وفساده وإجرامه ووحشية مخابراته… فلا توجد مرحلة في تاريخ سورية كلها يمكن ان تداني سوء مرحلة الأسد وإجرامه، لكن كوليت خوري التي أضحت عضوا في مجلس الشعب في عهد حافظ الأسد في تسعينيات القرن العشرين لأكثر من دورة، ثم مستشارة ثقافية للمجرم بشار الأسد، اختارت بعد ان ثار الناس عليه أن تقف في صفه.
لم تستطع كوليت التي طالما أبهرتني اناقتها الدمشقية حين كنت أزورها في بيتها في (القصاع) في تسعينيات القرن الماضي، وهي تحدثني بفخر عن مشروع إصدار مذكرات جدها (اوراق فارس الخوري) لم تستطع ان ترقى إلى عظمة ومجد هذا الجد الذي كان نبراسا في الوطنية الصادقة والحاذقة لكل السوريين… كما لم تستطع حتى ان تلامس تمرد ابيها وزير الشؤون البلدية والقروية في حكومة الانفصال سهيل الخوري، الذي طبق عليه انقلاب البعث الأسود العزل المدني عام ١٩٦٣، كما لم تستطع ان تلامس مجد خالها حبيب كحالة منشئ مجلة (المضحك المبكي) واحد آباء الصحافة السورية الأرقى والأبقى، ولا أن تتخذ شيئا من مواقف ابن خالها سمير حبيب كحالة الشجاعة في إضراب النقابات المهنية في وجه حافظ الأسد عام ١٩٨٠ ثم خروجه إلى باريس ليعيش في المنفى.
كانت كوليت خوري التي دخلت الوسط الأدبي بقوة عام ١٩٥٩ محفوفة بضجة روايتها الأولى (ايام معه) ثم جرأة روايتها الثانية (ليلة واحدة) بعد ذلك بعامين، منتمية لسورية الأسد وقد أخذتها شهوة البرستيج السلطوي… فكتبت كما من المقالات المتملقة التي كانت تحسبها قدرا ما دمت تعيش في عصر سلطة شمولية مجرمة لا تتساهل مع احد، لكنها في كل الأحوال كانت تصرف في رصيد مجدها العائلي، ومن رصيد موهبتها الأدبية المترنحة شعرا ونثرا ورواية وقصة ومقالة. أحببت صورة دمشق في رواية (ومر صيف) وقد شبهتها كوليت بأن “دمشق في الصيف كالمرأة المعطرة تعبق بين ذراعي رجل” لكن أدب كوليت عموما، لم يهتم بدمشق على النحو الذي اهتمت بها كاتبات جيلها… ربما نظرت إليها كمسرح لأحداث عاطفية لبطلات رواياتها، لمزاجبتهن، لتوقهن للتحرر… لكن دمشق التي رزحت تحت حكم الديكتاتور لم تعرها كوليت أي انتباه، لم تشأ الاقتراب منها. ورحلت ولم تكتب كلمة واحدة عن سقوطه أو هروبه رغم انها أدركت الفارق بين العهدين في التعامل مع رأيها الآخر.
كوليت اسم مهم في الذاكرة الأدبية السورية. لا يمكن تجاهله… لكن لا تستحق لقب اديبة دمشق ولا ايقونتها، واعتقد انها لم تكن كذلك على مستوى الأحداث ولا التحولات الوطنية.
✍️🏻بقلم الصحفي أ.محمد منصور