أبو ذر الغفاري رضي الله عنه:
_ أبو ذر، رضي الله عنك اتّبعت محمدا فأحبك الله وأكرمك.
أبو ذر الغفاري… مات وحيدًا كما عاش مميزًا
بكت زوجته بجواره وهو يحتضر،
فقال لها: “ما يُبكيكِ؟”
قالت:
“تموت هنا… في صحراء الربذة، لا كفن لنا ولا من يُصلي عليك.”
ابتسم وهو يلفظ أنفاسه، وقال:
“لا تبكي… هذا ما بشرني به رسول الله ﷺ.
كنت أنا وفلان وفلان… فدخل علينا رسول الله ﷺ فقال:
“سيموت رجل منكم في الصحراء، ويُصلي عليه جماعة عظيمة من المؤمنين.”
وقد مات الجميع… ولم يبقَ سواي، فـ أنا المقصود.”
قالت له:
“وما أفعل؟”
قال بثقة:
“ضعي جثماني على الطريق،
فإن أول ركبٍ يمر… هم المؤمنون الذين بَشّرني بهم رسول الله ﷺ.”
وبالفعل…
مرّ ركب من الصحابة قادم من العراق،
يتقدمهم عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، ومعه كبار الأنصار.
فلما رأتهم، قالت:
“هذا زوجي، أبو ذر… ولا كفن له.”
فتسابق الصحابة كلٌ يريد أن يُكفنه بثوبه،
صلّوا عليه، ودعوا له بالجنة، وبكاه كثير منهم.
وتذكّر الصحابة…
غزوة تبوك…
حين تأخر أبو ذر،
تعثر بعيره في الطريق…
فمشى وحده في صحراء مُحرقة،
يلهث… يُسابق الزمن، يريد اللحاق بالحبيب ﷺ.
فلما رآه النبي ﷺ قال والبشر يملأ وجهه:
“يرحمك الله يا أبا ذر… تمشي وحيدًا، وتموت وحيدًا، وتُبعث يوم القيامة وحيدًا.”
لكن “وحيدًا” هنا… ليست غربة، بل تميّز.
هكذا كان أبو ذر…
لم يسجد لصنم قط قبل الإسلام
أحد أوائل من أسلم
زاهد، صادق، لا يخشى في الله لومة لائم
قال عنه النبي ﷺ:
“من سره أن ينظر إلى تواضع عيسى بن مريم… فلينظر إلى أبي ذر.”.
مات أبو ذر…
بعيدًا عن المدينة
بلا مال ولا كفن
لكن معه بشرى رسول الله ﷺ
وشهادة التاريخ والإيمان
رضي الله عنك يا أبا ذر، وأرضاك
وصلى الله وسلم على من أحبك وبشّرك محمد ﷺ
_ من هو أبو ذر الغفاري:
أبو ذر رضي الله عنه: هو أبو ذر جندب بن جنادة الغفاري نسبة إلى بني غفار بطن من كنانة، من السابقين إلى الإسلام، قدم على النبي صلى الله عليه وسلم مكة فأسلم، وهو رابع أربعة، أسلم قبله ثلاثة فقط. فلما أسلم قال له النبي صلى الله عليه وسلم: ارجع إلى قومك فأخبرهم حتى يأتيك أمري. فقال للنبي صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده لأصرخن بها بين أظهرهم.
فخرج حتى أتى المسجد فنادى بأعلى صوته: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، فثار إليه جمع من مشركي قريش فضربوه حتى أضجعوه، فأتى العباس بن عبد المطلب فأكب عليه وقال: ويلكم ألستم تسمعون أنه من غفار، وأنهم على طريقكم إلى الشام للتجارة، فأنقذه منهم، ثم عاد من الغد لمثلها فضربوه وثاروا إليه فأكب عليه العباس وأنقذه منهم، ثم انصرف إلى بلاد قومه فأقام بها حتى قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، ومضت بدر وأحد ولم تتهيأ له الهجرة إلا بعد ذلك، وكان محل عناية واحترام رسول الله صلى الله عليه وسلم، بحيث يكرمه إذا حضر ويفتقده إذا غاب، وكان على جانب عظيم من الزهد والتقلل من الدنيا، فقد قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن أقربكم مني مجلسا يوم القيامة من خرج من الدنيا كهيأته يوم تركته فيها، وإنه والله ما منكم من أحد إلا وقد نشب فيها بشيء غيري. والحديث أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه، و أحمد في المسند مع انقطاع.
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم فيه: ما أقلت الغبراء ولا أظلت الخضراء أصدق لهجة من أبي ذر رواه أبو داود وغيره.
وأخرج الحاكم في المستدرك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يرحم الله أبا ذر يعيش وحده ويموت وحده ويحشر وحده. وكانت وفاته سنة 31هـ بالربذة وهي موضع على عدة أميال من المدينة المنورة، وصلى عليه عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.