_ الصورة التي قتلت من التقطها:
في عام 1993، قام المصور
(كيفن كارتر) برحلة إلى السّودان، بالقرب من قرية( آيود ) في جنوب السودان، وكان هدفه من هذه الرّحلة توثيق المجاعة التي ضربت المنطقة وأثّرت فيها خلال أوائل التِّسعينات.
المصوّر (كيفن كارتر) هو مصوّر فوتوغرافي عالمي، ولد سنة 1960 بجنوب إفريقيا، من أبوين بريطانيين، التحق بالجيش سنة 1980 م، وبعدها ترك الجيش ليعمل كمصور هاوي بميدان الرّياضية، إلى مصور محترف، إلى ملتقط الصّورة التي أبهرت العالم بجنوب السودان، سنة 1993 م، لينتحر بعدما نال عليها جائزة البوليترز في شهر ماي سنة 1994 م.
فخلال هذه المهمة، التقط كارتر الصّورة الشّهيرة والمثيرة للجدل، التي تُظهر نسرا يترصّد طفلاً ممدداً على الأرض من شدّة الجوع، وهي صورة لفتت انتباه العالم إلى حجم الكارثة الإنسانيّة التي كانت تعيشها المنطقة.
ففي طريقه، صادف كارتر طفلة توقفت لتستريح أثناء محاولتها الوصول إلى مركز تابع للأمم المتّحدة لتغذية المحتاجين، حيث هبط نسر قريباً منه. وبحذر شديد، خوفاً من أن يخيف النسر، انتظر كارتر نحو عشرين دقيقة، مترقباً اقتراب الطّائر من الطّفلة الجّائعة، ثمّ تمركز في أفضل زاوية ممكنة لالتقاط الصورة.
ولكي يجعل كلا من النسر والطفلة في بؤرة التّركيز، اقترب كارتر أكثر من المشهد ببطء شديد، والتقط الصورة من مسافة تقدّر بنحو عشرة أمتار.
وفي تلك اللّحظة تحديداً كانت الطّفلة في الحالة التي ظهرت بها في الصورة، بينما يقف النسر خلفها.
لم يكن كارتر يدرك حينها أنّه سيلتقط واحدة من أكثر الصُّور إثارةً للجدل في تاريخ التصوير الصحفي.
وقد عرفت الصورة عالمياً باسم “النسر والطفلة” و بيعت الصّورة لاحقاً إلى صحيفة نيويورك تايمز، وسرعان ما أثارت ردود فعل واسعة، حيث تلقت الصحيفة مئات الاتصالات من القرّاء الذين أرادوا معرفة ما إذا كانت الطّفلة قد نجت.
الأمر الذي دفع الصحيفة إلى نشر ملاحظة من المحرّر جاء فيها أنّ الطّفلة كانت تملك من القوة ما يمكّنها من الابتعاد عن النسر، غير أنّ مصيرها النهائي ظل مجهولاً.
وبسبب ذلك، واجه كارتر موجة كبيرة من الانتقادات، حيث تساءل كثيرون عن سبب عدم تدخُّله لمساعدة الطّفلة، واعتبروا أنّه استغلَّ معاناتها من أجل التقاط صورة.
وكتبت صحيفة “ست. بطرسبرغ تايمز” في فلوريدا تعليقاً قاسياً جاء فيه: “إنَّ الرجل الذي يضبط عدسته لالتقاط صورة لمعاناة طفلة، قد يكون مجرد مفترس آخر، نسرا يقف على الجانب الآخر.”
ولم تقتصر إدانة المصوّر فقط على تأخُّره في طرد النّسر، بل شملت أيضاً عدم تقديمه مساعدة مباشرة للطفلة بعد ذلك، إذ صرح لاحقاً أنَّه تركها لتواصل طريقها نحو مركز التغذية بمفردها، رغم حالتها الضَّعيفة.
ودافع كارتر عن نفسه قائلاً: إن الصحفيين كانوا قد تلقَّوا تعليمات بعدم لمس الضحايا خوفاً من انتقال الأمراض المعدية، كما أشار إلى أنَّ الوضع في المنطقة كان بالغ القسوة، حيث كان نحو عشرين شخصاً يموتون كل ساعة بسبب الجوع، مؤكداً أنَّ حالة تلك الطفلة لم تكن استثناء.
ورغم ذلك، ظلَّ كارتر يعبِّر عن ندمه لعدم مساعدتها.
في عام 1994، فاز المصور
(كيفن كارتر) بجائزة بوليتزر عن صورته الشهيرة التي هزَّت ضمير العالم، صورة طفل سوداني أنهكَه الجوع بينما يقف خلفه نسر مترقِّب.
لكن المفارقة القاسية أنّـ هذا التتويج لم يكن نهاية القصَّة بل كان بدايتها الحقيقية.
فبعد أشهر قليلة، قاد كارتر سيارته إلى مكان كان يحمل له ذكريات الطُّفولة، مكان يفترض أن يكون مليئاً بالبراءة، لا بالنهايات، هناك، جلس وحيداً، وأنهى حياته بطريقة صامتة قاسية ومروعة، بعد أن أوصلَ خرطوماً من عادم سيارته الى داخل مقعد السائق، ليموت اختناقا بأوَّل أكسيد الكربون، كان في الثَّالثة والثلاثين من عمره فقط.
كما تكشف رسالته قبل الانتحا.ر، لم يكن موته هروبا من ضعف عابر، بل كان هروبا من صورة واحدة لم تغادره أبداً صورة الطِّفلة.
تلك اللَّقطة التي ظنَّ أنَّه التقطها بعدسته، كانت في الحقيقة هي التي التقطته و ظلت عالقة في داخله، تطارده في يقظته ونومه، تكبر كل يوم، وتزداد ثقلا حتى صارت أثقل من أن تحتمل.
لم يهرب كارتر من العالم بل هرب من تلك اللَّحظة التي لم تنته، من ذلك الطفلة الممددة على الأرض، ومن ذلك النسر الذي لم يبق في الصورة فقط، بل استقر في ذاكرته.