ظاهرة الوأد في الجاهلية وبراءة عمر بن الخطاب رضي الله عنه:
قال تعالى: {وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ}” (سورة التكوير: ٨_٩)
ظاهرة الوأد في الجاهليّة وسبب ظهورها:
_ بدأت قصة وأد البنات في الجاهلية (قبل الإسلام) نتيجة للخوف من الفقر و العار أو السبي، حيث قام بعض العرب بدفن بناتهم أحياءً، وتُشير الروايات إلى أن (قيس بن عاصم التميمي) هو أوّل من وأد بناته، وكان الدّافع الأساسيُ هو الخوف من “غير الكفء” أو السبي وليس الفقر دائماً. وقد نهى الإسلام عن هذه العادة تماماً
قال تعالى في كتابه العزيز: {وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ ۖ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ ۚ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا} [الإسراء: ٣١]، تنهى الآية عن قتل الأبناء خوفًا من الفقر، وتضمن رزقهم ورزق الآباء على الله، مؤكدة أنّ القتل خطأٌ كبيرٌ و إثمٌ عظيم.
وقال تعالى:
{وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ} [سورة الإسراء: ٣٣]، هو نهي إلهي قطعي عن سفك الدّماء إلّا لأسباب حدّدها الإسلام.
أسباب وأد البنات في الجاهلية:
١_ الخوف من الفقر (الإملاق): شح الموارد والمجاعات جعلت الإنفاق على الإناث عبئاً، حيث كان يُنظر إليهن كمن “يأخذن ولا يُعطين”.
٢_ خوفاً من العار: خشية أن تُسبى البنت في الحروب وتصبح أمَة، أو أن تتزوج من شخص غيرِ كفء.
٣_ التشاؤم: كان بعض العرب يئدون البنات “الزرقاء، والشيماء، والبرشاء، والكسحاء” كنوع من التطيُّر (بناءً على اختلاف في المظهر) .
_ بداية القصة:
تذكر المصادر التاريخية أن قيس بن عاصم التميمي هو من أوائل من سنّ وأد البنات في الجاهلية بعد أن دفن ثمانٍ من بناته خوفاً عليهن من الأسر أو التزويج بغير كفء، وقد أسلم لاحقاً وتاب.
_ قصة وأد عمر بن الخطاب رضي الله عنه لابنته في الجاهلية: هي قصة مكذوبة لا أصل لها في كتب الحديث أو التاريخ المعتبرة، وتفتقر إلى أي إسناد صحيح، بل تنفيها الحقائق التاريخية.
أدلة ومصادر بطلان قصة وأد عمر بن الخطاب لابنته في الجاهليّة:
١_ غياب المصادر التاريخية: لم تُذكر هذه القصة في أيّ كتاب من كتب السير و التراجم و الآثار المعتمدة، وإنما تروى من غير حجة أو دليل من مصادرها.
٢_ قضية حفصة رضي الله عنها: وُلدت حفصة بنت عمر قبل البعثة النبوية بـخمس سنوات، وقد عاشت حتى تزوّجت، مما ينفي قيامه بوأد البنات في الجاهلية.
٣_ علاقته بـ زيد بن عمرو بن نفيل: كان زيد، عمّ عمر، معروفاً بمحاربته لوأد البنات وإنقاذ الموؤدات في الجاهلية، وكان عمر يحترمه، ممّا يجعله بعيداً عن هذه الممارسة كلّ البعد.
وبالمناسبة فلقد كان في الجاهلية شخصيّات من عليّة القوم يحاربون ظاهرة الوأد مثل الصحابي الجليل صعصعة بن ناجية بن عقال التميمي، الذي اشتهر في الجاهلية بلقب “محيي الموؤودات”، كان يفتدي البنات من أهلهن الذين يردن وأدهن بناقتين عشراوين وجمل لكل فتاة، وقد أنقذ ما يزيد عن ٣٠٠ مولودة (وفي روايات نحو ٣٦٠) قبل الإسلام.
٤_ قصة قيس بن عاصم: عندما ذكر قيس بن عاصم وأد بناته أمام النبي ﷺ، لم يشر أي مصدر إلى أن عمر بن الخطاب قال إنه فعل ذلك، بل كان يستمع.
٥_ الإسلام يجُبّ ما قبله: حتى لو افتُرض جدلاً وقوع ذلك في الجاهلية، فإن الإسلام قد غفر ما قبله، وهو أمر معروف في سير الصّحابة، فأمر الجاهلية مغفور، وإذا كان الله سبحانه وتعالى يغفر الشّرك وعبادة الأوثان الذي كان عليه كثير من النّاس في الجاهلية، فكيف بأمر وأد البنات؟
٦_ وقد وقفنا على رواية تشير إلى عدم وقوع الوأد من عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وهو ما يرويه النعمان بن بشير رضي الله عنه يقول: سمعت عمر بن الخطاب يقول: وسئل عن قوله: ( وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ ) التكوير/٨ ، قال: جاء قيس بن عاصم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( إني وأدت ثماني بنات لي في الجاهلية.
قال: أعتق عن كل واحدة منها رقبة. قلت: إني صاحب إبل.
قال: ( إهد إن شئت عن كل واحدة منهن بدنة ) رواه البزار ، والطبراني في “المعجم الكبير ”
يشير هذا الحديث – وهو من رواية عمر بن الخطاب رضي الله عنه – إلى كفّارة من وقع منه الوأد في الجاهلية، ولمّا لم يَذكر عمر بن الخطاب عن نفسه ذلك، وإنما رواه من فعل قيس بن عاصم، مما يدلُّ على عدم وقوع الوأد المنسوب إليه رضي الله عنه.
_ يقول الدكتور عبد السلام بن محسن آل عيسى:
” وأما عمر رضي الله عنه فقد ذكر عنه أنه وأد ابنةً له في الجاهلية ، ولم أجد من روى ذلك عن عمر فيما اطلعت عليه من المصادر، ولكني وجدت الأستاذ عبّاس محمود العقاد أشار إليها في كتابه ” عبقرية عمر ” (ص ٢٢١) فقال:
وخلاصتها: أنّه رضي الله عنه كان جالساً مع بعض أصحابه، إذ ضحك قليلاً، ثم بكى، فسأله مَن حضر ، فقال: كنّا في الجاهليّة نصنع صنماً من العجوة، فنعبده، ثم نأكله، وهذا سبب ضحكي، أما بكائي، فلأنه كانت لي ابنة فأردت وأدها، فأخذتها معي، وحفرت لها حفرة، فصارت تنفض التراب عن لحيتي، فدفنتها حية.
وقد شكك العقاد في صحة هذه القصة؛لأنّ الوأد لم يكن عادة شائعة بين العرب، وكذلك لم يشتهر في بني عدي، ولا أسرة الخطّاب التي عاشت منها فاطمة أخت عمر، وحفصة أكبر بناته، وهي التي كنيَ (أبو حفص) باسمها، وقد ولدت حفصة قبل البعثة بخمس سنوات فلم يئدها، فلماذا وأد الصغرى المزعومة..!
ولماذا انقطعت أخبارها فلم يذكرها أحد من إخوانها وأخواتها ، ولا أحد من عمومتها وخالاتها “.
_ لقد كرّم الإسلام المرأة وصان لها حقوقها وحرّم الوأد.
_ كيف تُعامل المرأة في الإسلام؟
المرأة في الإسلام شقيقة للرجل، مكرّمة ومصونة، لها حقوق كاملة كالميراث، والتعليم، وحرية التّصرف المالي، وحق اختيار الزوج، يوجب الإسلام على الزوج حسن معاشرتها والإنفاق عليها، ويؤكد على برّها أماً، ويرفع من شأن من يرعاها، معلياً من كرامتها وحافظاً لها.
فالمرأة في الإسلام إنسان مكرم، حظيت ببرٍ شديد، حيث أوجب الإسلام إكرامها والإحسان إليها، والرفق بها.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم «النساء شقائق الرجال» رواه أبو داود والترمذي والإمام أحمد.
يعني لهنّ من الحقوق ما عليهن من الواجبات بالمعروف، كما قال تعالى: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ}.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:( استوصوا بالنّساء خيرا) أخرجه مسلم
فالمرأة أصبح لها ذمة مالية خاصة، يحق لها البيع، والشراء، والتعاقد، والصدقة من مالها الخاص دون وصاية، كما أبقى لها اسمها ونسبها.
كما قرَنَ الله تعالى برَّها بحقّه في العبادة، وعقوقها بالشّرك وأمر الزّوج بحسن عشرتها، والنّفقة عليها (حتى لو كانت ثريّة).
و أوجب الإسلام رعايتها، وتربيتها تربية حسنة، وأعطاها حقها في الميراث
و كفل الإسلام للمرأة حقها في التعلّم.
وخلاصة القول:
إنَّ الإسلام دين ينظّم كافة شؤون الحياة ويوافق الفطرة السليمة، وهو دين الرّحمة والهدى، يجمع بين التّوحيد و العبادة وحسن الخلق، دين نجّا البشريّة من مظاهر الظلم والإساءة والقهر.
______ مراجع:
١_ “الإصابة ” للحافظ ابن حجر العسقلاني_ ترجمة أم المؤمنين حفصة رضي الله عنها.
٢_دراسة نقدية في المرويات في شخصية عمر بن الخطاب وسياسته الإدارية.
٣_ عبقريّة عمر للكاتب عباس محمود العقّاد.
عائشة أحمد البراقي