_ طبيب مصري يرمم وجه فتاة من غزة تضررت بسبب الحرب:
_ عندما تتراجع التّفاهات من الترند وتتقدم الوجوه المشرفة ويصبح الأجدر هو حديث الساعة،
في عالمٍ تتبدل فيه السياسات وتختلف فيه المواقف بين الحكومات، تبقى الإنسانية هي الخيط الأثمن الذي يربط الشعوب ببعضها، قد تختلف الدول في رؤاها ومصالحها، وقد تتباعد القرارات والحدود، لكنّ الشّعوب ليست هي الحكومات، فالحكومات قد تختلف، تتنازع، وتتصادم مصالحها، أما الشعوب فبينها خيط مختلف تمامًا، خيط من الفطرة والإنسانية والتشابه في الألم والأمل.
ومن هنا، لا تقاس قوة الشعوب بما بينها من اختلاف، بل بما تحتفظ به من رحمة تجاه بعضها البعض، حتى في أكثر اللحظات تعقيدًا.
في ظل العدوان على قطاع غزة، وصلت فتاة فلسطينية إلى مصر، تحمل على وجهها آثار شظايا تركت خلفها ليس جروحًا جسدية فقط، بل صدمة إنسانية عميقة لا تُرى بالعين كانت حالتها من أكثر الحالات تعقيدًا؛ إصابات شديدة في عظام الوجه، تهتك في الأنسجة الرخوة، فقدان أجزاء حساسة أثرت على العين والجفون، وتضرر في الأعصاب جعل أبسط تفاصيل الحياة اليومية صعبة ومؤلمة. لم يكن الأمر مجرد إصابة، بل كان انهيارًا كاملًا لبنية الوجه التي تُعبر عن الإنسان وتربطه بالعالم.
في المستشفى، لم تكن الجراحة مجرّد إجراء طبي، بل كانت رحلة طويلة من إعادة البناء. فريق طبي مصري بقيادة الدكتور محمود الدسوقي، وبمشاركة تخصصات متعددة، بدأ العمل على إعادة ما يمكن ترميمه خطوة بعد خطوة. لم تكن هناك حلول سريعة، ولا نتائج فورية، بل سلسلة من العمليات الدقيقة التي امتدت لما يقارب عامًا كاملًا، بين غرف العمليات، والمتابعة، ومحاولات إعادة التوازن لوظائف الوجه.
في كل مرحلة، كان التحدي أكبر من السابق: إعادة بناء محجر العين، ترميم الجفون، إصلاح الخد، وإعادة تشكيل ملامح الوجه بما يسمح لها أن تعود للحياة بشكل أقرب إلى الطبيعي. كانت التفاصيل الصغيرة هي الأصعب، لأن كل جزء في الوجه يحمل وظيفة وشعورًا وإنسانية كاملة.
لكن خلف كل هذا الألم، كانت هناك إرادة أخرى لا تقل قوة. الفتاة نفسها، رغم ما مرت به من فقدٍ وتشو.هٍ وألم، كانت حاضرة في كل خطوة من رحلة العلاج، تحاول أن تتمسك بما تبقى من قدرتها على الصبر، وكأنها تقاوم الألم مرتين: مرة في جسدها، ومرة في ذاكرتها.
ومع انتهاء المراحل الأساسية من الجراحة، بدأت ملامح مختلفة في الظهور؛ ليست عودة كاملة لما كان، بل بداية جديدة لما يمكن أن يكون. ابتسامة لم تكن موجودة بالأمس بدأت تعود بشكل تدريجي، وصوت لم يكن قادرًا على الخروج بدأ يستعيد طريقه، وحياة كانت معلقة بين الألم والغياب بدأت تجد مساحة صغيرة للنور.
القصة ليست عن جراحة ناجحة فقط، بل عن إنسانية تمتد عبر الحدود، وعن طبٍ يحاول أن يرمم ما يمكن ترميمه حين لا تكون الحرب قد تركت الكثير ليُرمم. هي أيضًا عن فتاة لم تختر شيئًا، لكنها وجدت نفسها في مواجهة واقع قاسٍ، ثم وجدت من يحاول أن يعيد لها جزءًا من حقها في الحياة.